وإما للتبعيض [1] في الموضع الذي يصح الكلام بحذفها ويتعدى الفعل إلى مفعوله بعدمها، ليكون لزيادتها فائدة، فلما حسن حذفها من قوله تعالى" (( (( (( (( (( (( بِرُءُوسِكُمْ"، لأنه لو قال وامسحوا رؤوسكم صلح، دل على دخولها للتبعيض.
والثاني: أن من عادة العرب في الإيجاز والاختصار إذا أرادوا ذكر كلمة اقتصروا على أول حرف منها اكتفاء به عن جميع الكلمة كما قال الشاعر: قلت لها قفي قالت قاف.
أي وقفت، وإذا كان هذا من كلامهم كانت الباء التي في قوله"وامسحوا برؤوسكم"مرادًا بها بعض رؤوسكم، لأنها أول حرف من بعض.
2 -أن الأحاديث التي استدللتم بها مضطربة، وتدل على جواز المسح على العمامة، وعلى فرض صحتها فلعل الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لأنه كان في سفر وهو مظنة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر من سياق مسلم في حديث المغيرة بن شعبة، فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبًا لما مسح على العمامة [2] .
وأجيب عن هذا بأنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة، ولا تعرض لسفر، وهو ما رواه الشافعي، وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولًا، وهو حديث أنس الذي أخرجه أبو داود وفي إسناده أبو معقل لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل و الموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند، والآثار التي ذكرناها عن عثمان وابن عمر ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، كما قاله ابن حزم يقوي به المرسل المتقدم [3] .
واعترض من قال بجواز مسح البعض على الآخرين بالآتي:
1 -ما ذكرتموه من الأحاديث كحديث عمرو بن زيد وحديث المقدام لا تدل على الوجوب، وإنما تدل على الاستحباب، قال النووي: وليس في الحديث دلالة لوجوب استيعاب الرأس بالمسح، لأن الحديث ورد في كمال الوضوء لا فيما لا بد منه (4) .
2 -قولكم بأن مسح الرأس كمسح الوجه في التيمم، ولا يجزئ في التيمم مسح بعض الوجه مردود بأن السنة بينت أن المطلوب بالمسح في التيمم الاستيعاب، وفي الرأس البعض، كما أن هناك فرقًا بينهما، وهو أن مسح الرأس أصل فاعتبر فيه حكم لفظه والتيمم بدل عن غسل الوجه فاعتبر فيه حكم مبدله.
وُأجيب أن هذا الفرق فاسد بالمسح على الخف، ورد عليهم بأن هذا التعليل يقتضي استيعاب الخف بالمسح لكن ترك ذلك لوجهين، أحدهما: الإجماع على أنه لا يجب، والثاني: أنه يفسد الخف مع أنه مبني على
(1) مغني اللبيب 1/ 105.
(2) مقدمات ابن رشد 1/ 52، تفسير القرطبي 1/ 88، فتح الباري 1/ 254.
(3) فتح الباري 1/ 254.
(4) شرح النووي على صحيح مسلم 3/ 124.