" (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ) وَهِيَ جَارِيَةٌ حَبَشِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ صَحَابِيَّةٌ (فَقَالَتْ إِنِّي كَاتَبْتُ) أَيِ اشْتَرَيْتُ نَفْسِي وَقَبِلْتُ الْكِتَابَةَ (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وُقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي) أَيْ فِي أَدَاءِ الْكِتَابَةِ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ) أَيْ رَضُوا (أَنْ أَعُدَّهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ أُعْطِيَهَا وَالضَّمِيرُ لِلتِّسْعِ الْأَوَاقِ (لَهُمْ عُدَّةً وَاحِدَةً) أَيْ جُمْلَةً حَاضِرَةً (وَأُعْتِقَكِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فَعَلْتُ وَيَكُونُ) بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (وَلَاؤُكِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ (لِي فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا) أَيْ عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ لِأَنَّ فِي أَبَى مَعْنَى النَّفْيِ. الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ قَدْ أُجْرِيَ أَبَى مَجْرَى لَمْ يُرِدْ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قُوبِلَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ وَيَأْبَى اللَّهُ وَأَوْقَعَهُ مَوْقِعَ لَمْ يُرِدْ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُذِيهَا) أَيِ اشْتَرِيهَا (وَأَعْتِقِيهَا) ظَاهِرُهُ جَوَازُ بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتِبِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَجَوَابُهُ: أَنْ بَرِيرَةَ بِيعَتْ بِرِضَاهَا وَذَلِكَ فَسْخُ الْكِتَابَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ أَوْ أَنَّهَا عَجَزَتْ نَفْسُهَا عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَوَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الرَّقَبَةِ دُونَ الْمُكَاتَبِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهَا: فَأَعِينِينِي. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ مُقَدِّمَةِ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالُوا: يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَكِنْ لَا تَنْفَسِخُ كِتَابَتُهُ حَتَّى لَوْ أَدَّى النُّجُومَ إِلَى الْمُشْتَرِي عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْبَائِعِ الَّذِي كَاتَبَهُ. وَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ جَرَى بِرِضَاهَا وَكَانَ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ عَاجِزَةً عَنِ الْأَدَاءِ فَلَعَلَّ السَّادَةَ عَجَّزُوهَا وَبَاعُوهَا، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ مَعَ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيُّ وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ، وَأَوَّلَ قَوْمٌ حَدِيثَ بَرِيرَةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَالضَّمِيرُ لِتِسْعِ أَوَاقٍ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْكِتَابَةُ وَبِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ"فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَكِ"وَيَرُدُّهُ عِتْقُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إِيَّاهَا وَمَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي"وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ فَدَلِيلٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ النُّجُومِ لَا"