بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْحَالِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ أَوْلَادًا صِغَارًا وَكَانُوا فِي غَايَةٍ مِنَ الْمَجَاعَةِ فَحَصَلَ لَهُ اضْطِرَابٌ، فَخَرَجَ دَائِرًا فَرَأَى الْحَمَامَةَ فَأَخَذَ بِهَا لَهُمْ، فَلَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْفُتُوحِ رَدَّ الْحَمَامَةَ إِلَى مَكَانِهَا فَعَرَفَ تَحْقِيقَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ،"فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهُ بِيَمِينِهِ"يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْقَبُولِ وَوُقُوعِ الصَّدَقَةِ مِنْهُ مَوْقِعَ الرِّضَا عَلَى أَكْمَلِ الْحُصُولِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَرْضِيَّ يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ فِي الْعَادَةِ"ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا"التَّرْبِيَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الزِّيَادَةِ أَيْ: يُزِيدُهَا وَيُعَظِّمُهَا حَتَّى تَثْقُلَ فِي الْمِيزَانِ"كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ"بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيُضَمُّ وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيِ: الْمُهْرُ وَهُوَ وَلَدُ الْفَرَسِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ لُغَةٌ، فَفِي الْقَامُوسِ الْفِلُوُّ بِالْكَسْرِ وَكَعَدُوٍّ وَسُمُوٍّ الْجَحْشُ وَالْمُهْرُ إِذَا فُطِمَا أَوْ بَلَغَا السَّنَةَ"حَتَّى تَكُونَ"بِالتَّأْنِيثِ أَيِ: الصَّدَقَةُ أَوْ ثَوَابُهَا أَوْ تِلْكَ التَّمْرَةُ"مِثْلَ الْجَبَلِ"أَيْ: فِي الثِّقَلِ، قِيلَ: هَذَا تَمْثِيلٌ لِزِيَادَةِ التَّفْهِيمِ وَخَصَّهُ بِالْفَلُوِّ ; لِأَنَّ زِيَادَتَهُ بَيِّنَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ فَالْمُرَادُ بِالرِّبَا جَمِيعُ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالصَّدَقَاتُ تُقَيَّدُ بِالْحَلَالَاتِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَحْمَتِهِ وَسَعَةِ كَرَمِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ اسْتُعْمِلَتِ الْيَمِينُ فِي مِثْلِ هَذَا، أَقُولُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ السَّلَفِ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِحَقِيقَةِ الْحَالَاتِ مَعَ اعْتِقَادِنَا التَّنْزِيهَ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّشْبِيهِ" [1] ."
(1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ... » كتاب الزكاة ... » باب فضل الصدقة