هِيَ مَا يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ صِدْقِ رَغْبَةِ صَاحِبِهَا فِي مَرَاتِبِ الْجَنَّاتِ أَوْ تَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ تَصْدِيقِ صَاحِبِهَا فِي إِظْهَارِ الْإِيمَانِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
1888 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ أَيْ: بِمِثْلِهَا صُورَةً أَوْ قِيمَةً"مِنْ كَسْبٍ"أَيْ: صِنَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَوْ إِرْثًا وَهِبَةً"طَيِّبٍ"أَيْ: حَلَالٍ"وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ"جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَلَالِ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَأَنَّ الْحَلَالَ الْمُكْتَسَبَ يَقَعُ بِمَحَلٍّ عَظِيمٍ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ الْوَلِيُّ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمُتَّقِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْكِي أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ كَانَ يَكْتَسِبُ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ وَيُنْفِقُ الثُّلُثَ وَيَصْرِفُ الثُّلُثَ فِي الْمُكْتَسَبِ، فَجَاءَهُ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا وَقَالَ: يَا شَيْخُ أُرِيدُ أَنْ أَتَصَدَّقَ فَدُلَّنِي عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَقَالَ: حَصِّلِ الْمَالَ مِنَ الْحَلَالِ ثُمَّ أَنْفِقْ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي يَدِ الْمُسْتَحِقِّ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْغَنِيُّ فَقَالَ: اخْرُجْ فَإِذَا لَقِيتَ أَحَدًا حَنَّ عَلَيْهِ قَلْبُكَ فَأَعْطِهِ، فَخَرَجَ فَرَأَى شَيْخًا كَبِيرًا أَعْمَى فَقِيرًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ فَسَمِعَ أَنَّ الْأَعْمَى يَحْكِي إِلَى مَنْ بِجَنْبِهِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى شَخْصٍ بِالْأَمْسِ فَأَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا، فَانْبَسَطْتُ وَصَرَفْتُ الْبَارِحَةَ فِي الشُّرْبِ مَعَ فُلَانَةَ الْمُغَنِّيَةِ، فَجَاءَ إِلَى الشَّيْخِ وَحَكَى لَهُ بِالْوَاقِعَةِ فَأَعْطَاهُ الشَّيْخُ مِنْ دَرَاهِمِ كَسْبِهِ دِرْهَمًا وَقَالَ لَهُ: إِذَا خَرَجْتَ مِنَ الْبَيْتِ فَأَوَّلُ مَنْ يَقَعُ نَظَرُكَ عَلَيْهِ فَادْفَعِ الدِّرْهَمَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فَرَأَى شَخْصًا مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ يَظْهَرُ مِنْهُ آثَارُ الْغِنَى فَخَافَ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بِأَمْرِ الشَّيْخِ عَرَضَ عَلَيْهِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَخَذَهُ رَجَعَ مِنْ طَرِيقِهِ وَتَبِعَهُ الْغَنِيُّ إِلَى أَنْ رَآهُ دَخَلَ فِي خَرَابَةٍ وَخَرَجَ مِنْ بَابٍ آخَرَ وَرَجَعَ إِلَى الْبَلَدِ فَدَخَلَ وَرَاءَهُ فِي تِلْكَ الْخَرَابَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا إِلَّا حَمَامَةً مَيِّتَةً فَتَبِعَهُ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ