فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 684

أَوْ يُوصَفُ بِالسَّخَاءِ الْمَحْمُودِ عِنْدَ اللَّهِ. وَإِذَا كَانَ مَنْ يَمُنُّ أَوْ يُؤْذِي بَعْدَ الْإِنْفَاقِ بِزَمَنٍ بَعِيدٍ لَا يَعْتَدُّ اللَّهُ بِإِنْفَاقِهِ وَلَا يَأْجُرُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَقِيهِ الْخَوْفَ وَالْحُزْنَ، أَفَلَا يَكُونُ الْمُتَعَجِّلُ بِهِ أَجْدَرَ بِذَلِكَ؟ بَلَى، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي السَّخِيِّ الَّذِي يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُخْلِصًا مُتَحَرِّيًا لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لَا بَاغِيًا جَزَاءً مِمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَلَا مُكَافَأَةً، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْمَنِّ وَالْأَذَى الْمُحْبِطَيْنِ لِلْأَجْرِ، كَأَنْ يَرَى مِمَّنْ كَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ غَمْطًا لِحِقِّهِ أَوْ إِعْرَاضًا عَنْهُ وَتَرْكًا لِمَا كَانَ مِنِ احْتِرَامِهِ إِيَّاهُ، فَيُثِيرُ بِذَلِكَ غَضَبَهُ حَتَّى يَمُنَّ أَوْ يُؤْذِيَ، وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ مِنَ الْمُخْلِصِينَ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْهُ.

وَأَنْتَ تَرَى مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْأَفْرَادِ بِمَا يُصْنَعُ مِثْلُهُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي الْمَصَالِحِ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي الْآيَةِ فَإِنَّهُ حَمَلَ الْإِنْفَاقَ فِيهَا عَلَى إِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ، وَصَوَّرَ الْمَنَّ وَالْأَذَى بِالِانْتِقَادِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِالتَّقْصِيرِ فِي جِهَادِهِمْ وَكَوْنِهِمْ لَمْ يَقُومُوا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ:"وَإِنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَوْجَبَ الْأَجْرَ لِمَنْ كَانَ غَيْرَ مَانٍّ وَلَا مُؤْذٍ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَطُلِبَ بِهِ مَا عِنْدَهُ. فَإِذَا كَانَ مَعْنَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُوَ وَصْفُنَا فَلَا وَجْهَ لِمَنِّ الْمُنْفِقِ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ قِبَلَهُ وَلَا صَنِيعَةَ يَسْتَحِقُّ بِهَا عَلَيْهِ - إِنْ لَمْ يُكَافِئْهُ عَلَيْهِ - الْمَنَّ وَالْأَذَى إِذَا كَانَتْ نَفَقَةُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسَابًا وَابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَطَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَعَلَى اللَّهِ مَثُوبَتُهُ دُونَ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ"اهـ. وَهُوَ يَلْتَقِي مَعَ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْمَنَّ فِي الْآيَةِ قَدْ يَقَعُ مُتَرَاخِيًا عَنْ وَقْتِ الْإِنْفَاقِ وَلَكِنَّ تَخْصِيصَهُ ذَلِكَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا الْأَجْرَ عَظِيمٌ. مِنْ رَبٍّ قَادِرٍ كَرِيمٍ، فَقَدَ أَضَافَهُمْ إِلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُمْ وَإِعْلَاءً لِشَأْنِهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ يَخَافُ النَّاسُ وَتُفْزِعُهُمُ الْأَهْوَالُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَوْمَ يَحْزَنُ الْبُخَلَاءُ الْمُمْسِكُونَ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُبْطِلُونَ لِصَدَقَاتِهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت