فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 845

ملكوت السماء؟ قال: نعم، فبدأ يوسف فأمر ببنيان القرى، وحدّ لها حدودا، فكانت أوّل قرية عمّرت بالفيّوم قرية يقال لها شانة (1) ، وهي القرية التي كانت تنزلها بنت فرعون. ثم أمر بحفر الخليج وبنيان القناطر، فلما فرغوا من ذلك استقبل وزن الأرض ووزن الماء؛ ومن يومئذ أحدثت الهندسة، ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك.

قال: وكان أوّل من قاس النيل بمصر يوسف عليه الصلاة والسلام، ووضع مقياسا بمنف.

أخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح عن ابن عبّاس، قال: فوّض الرّيان إلى يوسف تدبير ملك مصر، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة.

وأخرج عن عكرمة أنّ فرعون قال ليوسف: إنّي قد سلطنتك على مصر، إنّي أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيّك بأربع أصابع، قال يوسف: نعم.

قال ابن عبد الحكم: وحدّثنا هشام بن إسحاق، قال: في زمان الرّيان بن الوليد، دخل يعقوب عليه الصلاة والسلام وولده مصر؛ وهم ثلاثة وتسعون نفسا، بين رجل وامرأة، فأنزلهم يوسف ما بين عين شمس إلى الفرما وهي أرض ريفيّة برّية. قال: فلمّا دخل يعقوب على فرعون، فكلّمه ـ وكان يعقوب شيخا كبيرا حليما حسن الوجه واللحية، جهير الصوت ـ فقال له فرعون: كم أتى عليك أيّها الشيخ؟ قال: عشرون ومائة سنة.

وكان بمين ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب ويوسف وموسى عليهم الصلاة والسلام في كتبه، وأخبر أنّ خراب مصر وهلاك ملكها يكون على يديهم، ووضع الرايات وصفات من تخرب مصر على يديه.

فلمّا رأى يعقوب قام إلى مجلسه، فكان أوّل ما سأله عنه أن قال له: من تعبد أيّها الشيخ؟ قال له يعقوب: أعبد الله إله كلّ شيء، قال: كيف تعبد ما لا ترى؟ قال له يعقوب: إنّه أعظم وأجلّ من أن يراه أحد، قال بمين: فنحن نرى آلهتنا، قال يعقوب: إنّ آلهتكم من عمل أيدي بني آدم، ممّن يموت ويبلى، وإنّ إلهي أعظم وأرفع، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد؛ فنظر بمين إلى فرعون، فقال: هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه، قال فرعون: في أيّامنا أو في أيام غيرنا؟ قال: ليس في أيّامك ولا أيّام بنيك، قال الملك: هل تجد هذا فيما قضى به إلهكم؟ قال: نعم. قال: فكيف نقدر أن نقتل من يريد إلهه هلاك قومه على يديه! فلا نعبأ بهذا الكلام.

(1) في معجم البلدان: شانة قرية بمصر سمّيت باسم بنت يعقوب النبيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت