فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 845

وثلثي منّ، وإنّه رئي بعد فتح مصر يوزن به في ميزان الوكالة. انتهى.

فملكهم من بعده الريّان بن الوليد ـ وهو صاحب يوسف عليه الصلاة والسلام ـ فلمّا رأى الملك رؤياه الّتي رآها وعبّرها يوسف، أرسل إليه فأخرجه من السجن، ودفع إليه خاتمه، وولّاه ما خلّف آباؤه، وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابّة مسرجة مزيّنة كدابّة الملك، وضرب بالطبل بمصر أنّ يوسف خليفة الملك.

وما أحسن قول بعضهم:

أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك ...

أقام جميل الصّبر في الحبس برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك

قال ابن عبد الحكم: حدّثنا أسد بن موسى، حدّثني الليث بن سعد، حدثني بعض مشيخة لنا، قال: اشتدّ الجوع على أهل مصر، فاشتروا الطّعام من يوسف بالذهب حتّى لم يجدوا ذهبا، فاشتروا بالفضّة حتّى لم يجدوا فضّة، فاشتروا بأغنامهم حتّى لم يجدوا غنما؛ فلم يزل يبيعهم الطّعام حتّى لم يبق لهم فضّة ولا ذهبا ولا شاة ولا بقرة في تلك السنتين، فأتوه في الثالثة، فقالوا له: لم يبق لنا شيء إلّا أنفسنا وأهلونا وأرضونا. فاشترى يوسف أرضهم (1) كلّها لفرعون، ثمّ أعطى لهم يوسف طعاما يزرعونه على أنّ لفرعون الخمس.

قال ابن عبد الحكم: وفي ذلك الزّمان استنبطت الفيّوم، وكان سبب ذلك كما حدثنا هشام بن إسحاق أنّ يوسف عليه الصلاة والسلام لمّا ملك مصر، وعظمت منزلته من فرعون، وجاوزت سنّه مائة سنة، قال وزراء الملك له: إنّ يوسف قد ذهب علمه، وتغيّر عقله، ونفدت حكمته، فعنّفهم فرعون، وردّ عليهم مقالتهم، فكفّوا؛ ثمّ عاودوه بذلك القول بعد سنين، فقال لهم: هلمّوا ما شئتم من أيّ شيء أختبره به. وكانت الفيّوم يومئذ تدعى الجوبة؛ وإنّما كانت لمصالة (2) ماء الصعيد وفضوله ـ فاجتمع رأيهم على أن تكون هي المحنة التي يمتحنون بها يوسف عليه الصلاة والسلام، فقالوا لفرعون: سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها، ويخرجه منها، فتزداد بلدا إلى بلدك، وخراجا إلى خراجك. فدعا يوسف فقال: قد تعلم مكان ابنتي فلانة منّي، وقد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها بلدا، وإنّي لم أصب لها إلا الجوّبة؛ وذلك أنّه بلد بعيد قريب، لا يؤتى من وجه من الوجوه إلّا من غابة أو صحراء، فالفيّوم وسط مصر كمثل مصر في

(1) انظر مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 1/ 360، 361.

(2) مصالة الماء: بقيّته القليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت