إن الحب والبغض أمور لا قدرة للعبد في تحصيلها ولا دفعها لأنها أعمال القلوب، والقلوب بيد الله تعالى، والتآلف بينها بنعمة من الله، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103] وقال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] .
وإن الله جبل القلوب على محبة من يحسن إليها، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بين المقدمات والأسباب التي تبنى المحبة عليها، وتنشأ عنها، كما بين حقيقة التآلف في هذا الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» [1] .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قَوْلُهُ: (الْأَرْوَاح جُنُود مُجَنَّدَة ... إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِشَارَة إِلَى مَعْنَى التَّشَاكُل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ، وَالصَّلَاح وَالْفَسَاد , وَأَنَّ الْخَيِّرَ مِنْ النَّاس يَحِنّ إِلَى شَكْله، وَالشِّرِّير نَظِير ذَلِكَ يَمِيل إِلَى نَظِيره، فَتَعَارُف الْأَرْوَاح يَقَع بِحَسَبِ الطِّبَاع الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا مِنْ خَيْر وَشَرّ, فَإِذَا اِتَّفَقَتْ تَعَارَفَتْ, وَإِذَا اِخْتَلَفَتْ تَنَاكَرَتْ [2] .
وَ فِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى قِصَّة فِي أَوَّله عَنْ عَمْرَةَ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن قَالَتْ: «كَانَتْ اِمْرَأَة مَزَّاحَة بِمَكَّة، فَنَزَلَتْ عَلَى اِمْرَأَة مِثْلهَا فِي الْمَدِينَة , فَبَلَغَ ذَلِكَ
(1) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: الأرواح جنود مجندة، برقم: (2638) .
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، 6/ 369.