وختمت أول سورة من المسبحات وهي الإسراء في ذكر بني إسرائيل بقوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) ، ثم غابت المسبحات حتى عادت بسورة الحشر، وابتدأت بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) ، وقد سبقت الحشر بسورة الحديد، وهي منها، وفيها: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ) ، مع ختم الحديد بقوله تعالى: (لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ) .
ومن عجائب المسبحات ما جاء في سورة الصف إذ افتتحت بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) الآية .. ، مع أنه لم يتقدمها ذكر مناسبة ولا قول، فدل على ارتباطها بما قبلها من المسبحات معنىً وفهمًا. وكل المسبحات لم تخلُ من ذكر أهل الكتاب وخاصة اليهود إلا التغابن، ومن تفكر فيها رأى أنها تعني ببناء حالة المؤمن في الصراع والجهاد التوكل واجبًا. موقف المؤمن من المصيبة طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم، معوقات الطاعة من الأموال والبنين، كما افتتحت بأمر اليوم الآخر، النفقة في سبيل الله.
والمسبحات افتتحت بالمصدر وهو (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) واختتمت بالأمر في قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وما بينهما داخل في الإخبار عن السبوح، وبقيت العبارة عاجزة عن نقل كلام السابقين وعن معاني تحصل في النفس؛ تغيب وتحضر والله يرحم ويغفر.
27 > للتفكر: الخير لا يأتي إلا بالخير والشر يأتي بالخير أحيانًا، فلا تمدح الشر إن أتى بالخير، ولكن تلقى الخير الآتي وخذه بقوة، ولا تتركه لأهل الشر، فالمؤمن صائد الخيرات، لأنه أحق بها، وتساق إليه كرامة من الله على يد الطغاة والكفار، وحين تفوته بعد أن تأتيه دل أنه ليس أهلًا لهذه الكرامة. وما زالوا يتساءلون: ما موقفنا؟! إنه سؤال الذين لا يقدرون على اغتنام الفرص التي تحقق الانتصارات. قم وامدد يديك لجراد الذهب المتساقط من السماء.