لذا فإن النيسابوري هو راد لمثل ذلك الاستدلال والاحتجاج لا أصل الاحتجاج، وإلا لما أقدم عليه هو، فهو رد لنوع منه، مقيد ببعض اللغات، أو ببعض الموضوعات لا كله، كما كان يرد على الزمخشري ويشنع عليه في تضعيفه أو رده لقراءة متواترة أو تصحيح قراءة وترجيحها اعتمادا على آراء النحويين واللغويين، لأن القراءة مرجعها في الصحة والثبوت والرجحان السند والرواية، لا أقوال أهل اللغة والنحو، أو فصاحة هذا القارئ أو ذاك، [1] وهو ما كان يفعله الزمخشري، فكثيرا ما يخضع القراءات لنصرة مذهبه عند الحاجة، يقول الصاوي: [2] » والزمخشري كمعتزلي يريد نصرة معتقده، يستجلب القراءة ويستعينها على إخضاع تفسير الآية لمذهبه «.
بعد هذا نجد أن ما نسب إلى النيسابوري لم يكن حقيقا الأخذ به، فهو لم يمنع من الاحتجاج باللغة شعرا ونثرا في التفسير، وإنما منع ما لم يلتزم بالأصول الصحيحة فيه، فرد نوعا منه دون أصله، مثل ما رأيناه من رأي الإمام أحمد.
الشبهة الرابعة: ما أشارت إليه بعض المصادر من أن اللغة لم تنقل بطريق يبعث على الاطمئنان، إذ الإشكالات واردة على جميع الطرق التي تثبت بها اللغة ويتحقق العلم بها، فهي لم تنقل بالتواتر، ولا نقلت بطريق آحاد يفيد ظنا راجحا، وهذا يعني عدم صحة الاحتجاج بها في فهم القرآن الكريم، لأن صحة الاحتجاج بها متوقف على العلم بالمعنى الموضوع له اللفظ المعين، وإن قطعنا بأن منها ما قد نقل نقلا
(1) القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية: 233 و 235.
(2) منهج الزمخشري: 41 وينظر منه أيضا: 174 - 176.