وفي العالم العربي بلغت القصة القصيرة درجة عالية من النضج على يدي يوسف إدريس في مصر، وزكريا تامر في سوريا، ومحمد المر في الإمارات. [1]
ومن الكتاب العرب الذين أبدعوا في فن القصة القصيرة بهاء طاهر، وهو كاتب مصري شهير، يركّز الباحث دراسته على أعماله القصصية كما يشير إليه العنوان. وإنّ كتابات بهاء طاهر القصصية تتسم بمظهر واقعي غني ولافت لأنظار القراء والنقاد والباحثين، ويتمثل ذلك في شخصياتها المكوّنة من دم ولحم، وفي تعامل تلك الشخصيات مع التفاصيل الدقيقة، وفي اقترابها من أنفاس البشر، كما يظهر هذا في بناء الحدث والاقتراب الحميم من منابع الحياة وجريانها واضطرابها. إلا أنّ الاتجاه الواقعي يظهر في أسلوب الحوار وفي وصف الأمكنة خاصة في قصصه الأولى، كما في مجموعة الخطوبة وبالأمس حلمت بك. [2] ويمكن أن نعتبر هذه المظاهر الواقعية صورة تشير إلى الجانب الاجتماعي كمصدر أساسي لمادة الكتابة. إلا أن الذي يجعل لها غنى وامتدادا هو العمق الإنساني، ذلك الذي يتمظهر إيحائيا ورمزيا في صورة متوازية وفي الأحلام والكوابيس وفي التداعيات الوجودية عند الشخصيات، وفي الحيرة التي تتجاوز الموقف الواقعي إلى أزمة الوجود وتساؤلاته الكثيرة. كما أنّ بهاء طاهر قد استطاع أن يربط بين الواقعي والرمزي والوجودي بإحكام يبرز رعب العالم وأهواله ومآزقه.
وقد قال الناقد المصري الدكتور صبري حافظ عن المجموعة التي سيركّز عليها البحث ما يلي:"في الخطوبة نرى عالما عاريا من الزوائد والإضافات، شديد الكثافة والاقتصاد، يبدو وكأنّه بالغ الحياد أو واقع على حدود اللامبالاة ولكنه مترع تحت هذا الرداء الحيادي الخادع بالعواطف والصبوات الإنسانية البسيطة والمستعصية معا." [3]
(1) الدكتور، أحمد هيكل، الأدب القصصي والمسرحي في مصر، ط 4، (القاهرة: دار المعارف، 1983 م) ، ص، 32.
(2) محمد عبيد الله، بهاء طاهر وأعماله القصصية، المرجع السابق.
(3) بهاء طاهر، الخطوبة، د. ط. (القاهرة: دار الشروق، 1972 م) ، ص، 2.