الصفحة 16 من 35

معناها إلى الرب، فليجر آية الاستواء، والمجيء، وقوله {لما خلقت بيدي} [ص] ، {ويبقى وجه ربك} [الرحمن] ، و {تجري بأعيننا} [القمر] ، وما صح من أخبار الرسول، كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه، قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب، وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام، فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به، وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور، قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني في مجلس وعظ أبي المعالي فقال: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان عليه فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها ما قال قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ أو قال: فهل عندك هذه الضرورة التي نجدها؟ فقال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة، ولطم على رأسه، ونزل، وبقي وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني"."

قال شيخ الإسلام في العقيدة الأصفهانية ج: 1 ص: 166

"ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة، موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فلابد أن يقع في بدعة قولية أو عملية".

فكل من سلك غير طريق الأنبياء في الدعوة والاستدلال، ولا نهج نهجهم في المسائل والدلائل، فإن ما يفعله الرجل من ذلك لا يخرج عن أن يكون مجتهدا فيه مخطئا مغفورا له خطؤه، وقد يكون ذنبا، وقد يكون فسقا، وقد يكون كفرا، بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق، ليس فيها عوج، وأوصلها للحقيقة، وأحقها بالسير عليها كما قال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ، وقال عبد الله بن مسعود: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال:"هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، ولهذا قيل: مثل السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وهو يروى عن مالك.

والمقصود هنا أن عامة الطرق التي سلكها الناس -متكلمين وعباد- في العلم بالنبوة هي طرق مفيدة نافعة، لكن تختلف مقادير فوائدها ومنافعها، وفيها ما يضر من وجه كما ينفع من وجه مما أدخلوه فيها من آراء الرجال وزبالة أذهانهم، وفيها ما ينتفع به من كان عديم الإيمان أو ضعيف الإيمان، فيحصل به له بعض الإيمان أو يقوي إيمانه، وإن كان ذلك يضر من كان قوي الإيمان، ويكون رجوعه إليه ردة في حقه، بمنزلة من كان معتصما بحبل قوي وعروة وثقى لا انفصام لها فاعتاض عن ذلك بحبل ضعيف يكاد ينقطع به، يحسب نفسه على شيء وهو في أوهن البيوت.

العقل شرط في العلم والعمل:

لما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف عن القرآن والإيمان بتقديمهم لما يسمونه عقليات من تلك الطرق التي ابتدعوها في الاستدلال على مسائل كثير منها مركوز في فطرهم لكنهم أضاعوها أو غفلوا عنها حين فسدت فطرهم، وهذا كاستدلالهم على وجود الصانع مثلا بطريق حدوث العالم وإثبات حدوث العالم عن طريق حدوث الأجسام، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم والنقل المتواتر أنه دعا الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله ولم يدع الناس بهذه الطريق، وآمن بالرسول من آمن به من المهاجرين والأنصار ودخل الناس في دين الله أفواجا ولم يدع أحدا منهم بهذه الطريق، ولا ذكرها أحد منهم، ولا ذكرت في القرآن، ولا في حديث الرسول، ولا دعا بها أحد من الصحابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت