وهؤلاء من أرباب الحروف تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة، يجعلون العقل وحده أصل علمهم، فيعلون من شأنه ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن، كأصول الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم، ولكل طائفة من هذا الزيف والوهم نصيب.
ولما أعرض أيضا أرباب العمل والصوت عن القرآن والإيمان بتقديمهم لما يسمونه وجديات وذوقيات، تجد كثير من هؤلاء المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه، فيعادونه ويعزلونه، ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل ويأبى أن يصدقه ذو مسكة من عقل من عوام الناس فضلا عن مفكيرهم وعلمائهم، ويمدحون السكر والغياب والجنون والوله، لما يجدونه من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز.
وكلا الطرفين من أرباب الحروف والأحوال مذموم، فإن العقل شرط في معرفة العلوم ودركها، وصلاح الأعمال وكمالها، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلا بذلك، ولا له السيادة المطلقة في العلم والعمل، فهو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإنه لا يدرك الحقيقة إلا بشمس الوحي من الكتاب والسنة، فلابد له منهما في صحته وسلامته، و إلا لازمه السقم حتى الموت، وإن انفرد بنفسه فقد يبصر ما لا ينفعه في الآخرة، وإن أبصر ما فيه منفعة فهي مقصورة على الدنيا، لكنه لا يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها والتي لابد له فيها من النبوة، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورا حيوانية، قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما قد يحصل للبهيمة والحيوان.
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة وقد تكون فاسدة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة بائرة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم العقل امتناعه، فجاءت بمحارات العقول ولم تأت بمحالات العقول، لكن المسرفون في العقل من أرباب الكلام والحروف من المتكلمين قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم، اعتقدوها حقا وهي باطل معارض للعقل الصريح، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم، وكلما ابتعد العبد عن النبوة كان له نصيب إما من الإفراط في رفع العقل وأي عقل؟ عقل المتكلمين، وإما إلى التفريط فيقترب من حال من لا عقل له، وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض أهل الحديث تارة بعزل العقل عن محل ولايته، وتارة بمعارضة السنن به، وهذا مشاهد عيان فلا أحد يستطيع أن ينكره، وقد كانت لنا ولغيرنا من ذوو الفهم جولات وجولات معهم ولازالت.
ونظير هذا الإسراف لدى المتكلمين في العقل التمييزي، يوجد مثله لدى الصوفية في الوجد القلبي، فإنهم صدقوه وعظموه وأسرفوا فيه حتى جعلوه هو الميزان، وهو الغاية، مثلهم مثل أولئك في العقل تماما، ثم كان لهم جولات من الطعن والعيب فيما عند الآخر بإطلاق ودون تمييز، فالمتكلمين ذموا ما عند الصوفية من وجد وأحوال، والصوفية ذموا ما عند المتكلمين من عقل، وسبب ذلك أن أهل الحرف لما كان مطلبهم العلم وبابه هو العقل، وأهل الصوت لما كان مطلبهم العمل وبابه الحب، صار كل فريق يعظم ما يتعلق به هو، ويذم ما يتعلق به الآخر، فصار محجوبا بما عنده عما عند غيره، مع أنه لا بد من علم وعمل، ومن حب وتمييز وحركة وحال، فالحرف مرقاة العلم والصوت مرقاة العمل، وكلاهما إذا كان موزونا بالكتاب والسنة كان هو الصراط المستقيم والمنهج القويم، الذي يرفع العبد ويرفع الأمة إلى أعلى المقامات، فلا تكون أمة كلام دون عمل ولا تكون أمة خرافات وخزعبلات وتواكلات، بل أمة متمكنة من دينها ودنياها، قائمة بشرع الله سبحانه وتعالى ظاهرا وباطنا، ناصرة لكلمة الله عز وجل.
والمقصود أن على المسلمين أن يتخلصوا مما ورثوه من آراء الرجال ومنطق اليونان، ومن أحوال الشيطان وأعوانه، ويجددوا دينهم بتحقيق ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، واتبعه فيه صحابته الكرام رضوان الله عليهم، ثم التابعين لهم بإحسان، من الأولين والآخرين، ولا يتم