فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: يحبهم ويحبونه، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وقوله: ثم استوى على العرش، أنه على ظاهره، لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره إستواءا كاستواء المخلوق، ولا حبا كحبه، ولا رضا كرضاه.
فإذا ظن العبد أن ظاهر الصفات مماثل لصفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر، ولا ينفى إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل فضلا عن السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفى به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا.
وبيان هذا أن صفاتنا إما أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليد، وإما معان وأعراض وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة، ومن المعلوم أن الله تعالى لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غير مراد بحجة أن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، وهيهات أن يأتوا بواحد من الصحابة الكرام يقول بذلك، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد بحجة أن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فإذا كانت ذاته المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، فشبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئي بالمرئي، ثم إنه لما كان إثبات الذات هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، والله أعلم.
ومن العجب أن أهل الكلام ويوافقهم الدكتور عمارة وغيره كالدكتور أبو زهرة، يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل جمود وتقليد، ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجة العقل وربما حكى إنكار النظر عن بعض أئمة السنة، وهذا مما ينكرونه عليهم، فيقال لهم: ليس هذا بحق، وهو وليد عن الظلم والجهل الذي سيطر على عقول هؤلاء المتكلمين، فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم، وهو المقدمة الإيمانية التي ينطلقون منها، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بذلك، ولكن وقع اشتراك في لفظ النظر والاستدلال ولفظ الكلام، فإن أهل السنة والحديث أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم، فاعتقد أهل الكلام أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال، فأخذوا يشنعون على أهل السنة والحديث بأنهم معادون للعقل والنظر والفكر، وهم في الحقيقة لم يعادوا إلا نظر هؤلاء المتكلمين واستدلالهم، ونظير هذا تسمية أهل الكلام لأصولهم التي وضعوها بأصول الدين، وهذا اسم عظيم والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم، فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل قد أنكروا أصول الدين، وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين، وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهي مسميات ما أنزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله، وهكذا لفظ النظر والاعتبار والاستدلال، وعامة هذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة، كما كان الزهري يقول: كان علماؤنا يقولون الاعتصام بالسنة هو النجاة، وقال الإمام مالك: السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج هو الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله، والرسول هو الدليل الهادي في هذا الصراط كما قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} ، وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} ، وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، وقال عبد الله بن مسعود: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال:"هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا