الصفحة 5 من 35

والضلال والبدع والشرك مستنيرا بنوره، والآخر أعمى ميتا في حر الكفر والشرك والضلال منغمسا في الظلمات.

وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الآية، فسمى وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة الحقيقية، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم في جنات الخلد هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن لم يحي به في الدنيا فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا.

وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث؛ دار الدنيا ودار البرزخ ودار الجزاء أعظمهم نصيبا من الحياة بهذه الروح، وسماه روحا في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: {رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق} ، وقال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن انذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} ، وسماه نورا لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها.

وكمال روح الإنسان بهاتين الصفتين بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، باتباعهم والانقياد لهم انقيادا تاما، والاهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، و إلا فالروح ميتة مظلمة وإن كان العبد رأسا في القوم، مشارا إليه بالزهد والفقه والفكر والفضيلة والكلام في البحوث وعلى الفضائيات، فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده، وراء ذلك كله.

فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام والكتب والمقالات في الجرائد والمجلات وعلى شبكات الإنترنيت والفضائيات، ولكنه نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال وتنطع المتنطعين أو تهوك المتهوكين، ويميز بين ما عليه أتباع أنبياء الله تعالى من أهل الحديث والفقه والزهد من أهل مدينة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، والذي لا يقبل الله عز وجل ثمنا لجنته سواه، مما هو عليه الغرب ونوابه من الفلاسفة ودعاة العلمانية والانحلال، والجهمية، ومخانيثهم من المعتزلة، وكل من اتخذ لنفسه سلعة يروجها بين العالم، فإنها كلها زيف، لا يقبل الله سبحانه وتعالى في ثمن جنته شيئا منها، بل ترد على عاملها أحوج ما يكون إليها، وتكون من الأعمال التي قدم الله تعالى عليها فجعلها هباء منثورا، ولصاحبها نصيب وافر من قوله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ، وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير الله عز وجل، أو على غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحال أرباب العلوم والأفكار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة، ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم، فاتعبوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال، والانتصار لهم، وفهم ما قالوه وبثه في المجالس والمحاضر والموائد المستديرة على الفضائيات، وأعرضوا عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم صفحا، ومن به رمق منهم يعير النبي صلى الله عليه وسلم أدنى إلتفات طلبا للفضيلة والعلو في الأرض بغير حق، أو خوفا من اندراس ذكره ومقته عند عامة المسلمين.

وأما تجريد اتباعه ونبذ اتباع من سواه أيا كان، وتحكيمه في كل صغيرة وكبيرة وعدم تحكيم من سواه وما اعتاده الناس وتقلدوه عن آبائهم وأسلافهم أو وضعوه من قوانين مما لم ينزل الله تعالى به سلطانه، ثم لابد من تفريغ قوى النفس في طلبه، والتفكر فيه، وفهمه، وعرض آراء الرجال عليه لا عرضه هو على آراء الرجال، ورد ما خالفه منها، وقبول ما وافقه، ولا يلتفت إلى شيء من آرائهم وأقوالهم إلا إذا أشرقت عليها شمس الوحي، وشهد لها بالصحة الكتاب والحكمة، فهذا الذي لا ينجي سواه، أمر لا تكاد ترى أحدا منهم يحدث به نفسه فضلا عن أن يكون مطلبه ومناه ومبتغاه، و إلا لظهر على صفحات كتبهم وفلتات ألسنتهم.

ولقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت