الصفحة 12 من 35

الطائفة الوسطية المتمثلة في الأشاعرة، لكن كلا المقدمتين خاطئتين، فلا الأشاعرة هم أهل الوسط ولا الجويني والغزالي هم أئمة الدين، وما يلي سيكون إن شاء الله تعالى تفصيلا لهذه الجملة.

إن التفضيل بين الأشخاص لا يتم إلا إذا حرر محل التفضيل، فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم، فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص، لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة، وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم، فلا ريب أن أئمة السنة كالإمام أحمد والإمام مالك والإمام الشافعي وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم أعلم وأنفع للأمة من الجويني والغزالي وغيرهما من الأشاعرة وغير الأشاعرة، فقد أدركوا من العلم ما لم يدركه غيرهم، وقد أدوا إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرهم، وقد احتاج إليهم خاص الأمة وعامتها، والواقع شاهد على ذلك، وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن هذا دين الرافضة ولا ريب أن الدكتور لا يعتبره في مفاضلته، وهو يعلم كسائر الأمة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم.

وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل، ولم يوازن بينهما، فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم، واعتدى على خصمه بما لا يجوز من القول والفعل.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد ج: 3 ص: 684:

"فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولا، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا"، وفي جميع هذه المقامات ننازع الدكتور ولا نسلم له لا أسباب فضل من ذكرهم على غيرهم ولا نسبة ما فضلهم به إليهم.

ثم قال الإمام ابن القيم مبينا نكتة بديعة في الفرق بين التفضيل بين الأنواع والتفضيل بين الأشخاص، وأيهما عسر؟، ولماذا؟، وما هي الدوافع الخفية في تفضيل شخص على غيره أو طريقة ومذهب على غيره؟:

"فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد من الهوى والغرض، وهاهنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله، وهي: أن كثيرا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد، ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل، والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس، ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا، وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها، ولا يرضي غيرها، ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته، أو شيخه، وكذلك الأنساب والقبائل والمدائن والحرف والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى، وهو: أنه يشهد حظه نفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها، لأن نفعه مشاهد له، أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه، فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته والله الموفق".

وبعد هذا نشرع في كشف وبيان تلبيسات الدكتور عمارة في مقاله عن السلفية، فنقول مستعينين بالله السميع العليم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت