الصفحة 4 من 35

أوليائه لتحب وتسلك، وفى هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا يعلمه إلا الله: من معرفة عموم ربوبيته سبحانه، وحكمته، وكمال أسمائه وصفاته، وتعلقها بمتعلقاتها، واقتضائها لآثارها وموجباتها، وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه .. والله أعلم، (انتهى كلام ابن القيم) .

لقد كثر الطعن في الدين قديما وحديثا، وخاصة في الآونة الأخيرة، وإن من أعظم مطاعن الزنادقة والمنافقين في الحنيفية السمحة أن يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها، أو أنه بينها لكن التقصير كان من الأمة التي لم تنقلها، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بالأمرين جميعا، ثم إن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه، وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات، وإنما هي جهليات، وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل التي يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولا أو تعمل عملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد، ومن الوسائل الباطلة من دلائل هذه المسائل، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم من مفكري هذه الأمة، فضلا عن عامتهم.

وعليه، فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا كافيا قاطعا للعذر، وهو من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، ومن أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده، وكتاب الله الذي هو القرآن الكريم الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملان من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب، كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم قد علم هذه الأمة حتى آداب الأكل والشرب والوطء والخروج إلى الخلاء وغيرها من صغار المسائل، كيف لا وأصحابه قد نقلوا عنه دق المسائل من بصاقه وشعره الذي يحلقه وغيرها مما يطول ذكره كثير.

وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان أصول الدين من كان ناقصا في عقله وسمعه، ومن كان له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك 10] ، وهذا موجود في كثير من المتفلسفة والمتكلمة والمفكرين وجهال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية، وأما دلائل هذه المسائل الأصولية فإن طوائف من المتكلمين والمتفلسفة والمفكرين قد غلطوا غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، ومعلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر، وهذا ما اضطرهم إلى أن يجعلوا العلوم العقلية أصلا كما يفعل أبو المعالي و أبو حامد و الرازي و غيرهم، وأن طريقهم هي الطريق البرهانية الدالة بواسطة العقل، وحقيقة الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في ذلك العلم مالا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكره هؤلاء الطاعنون في كتبهم ومقالاتهم جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه، المتمثلة في الأقيسة العقلية باستعمال اللزوم العقلي.

وقد ضرب الله تبارك وتعالى لعباده مثلين أحدهما مائي والآخر ناري في سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور، فجعل المؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه.

قال الله تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} الآية، وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات} فجعل من اهتدى بهداه واستنار بنوره بصيرا حيا في ظل يقيه من حر الشبهات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت