الجهل والظلم ومنبعه، قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} .
ومما ينبغي أيضا أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام من المعتزلة والأشاعرة والمرجئة على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، كما هو الحال عند الأشاعرة في الإيمان مثلا، إذ يقولون بأن الإيمان هو المعرفة فقط، فوافقوا الجهمية الزنادقة وخالفوا أهل السنة والجماعة الذين يقولون بأن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه كما فعلت ذلك الأشاعرة مع المعتزلة، فيكون محمودا فيما رده من الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون كما فعلت الخوارج، كان من نوع الخطأ الذي قد يكون مغفورا، وقد وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والإجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات المذمومين شرعا وعقلا.
وأما ما يزعمه هؤلاء المتكلمة وكذلك الدكتور عمارة من أن علم أصول الفقه يمثل فلسفة العقلانية الإسلامية في التشريع، وأن أئمته هم الباقلاني والجويني والغزالي، فهذا من قلة خبرته بعلوم السلف كالإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة.
فان الكلام في أصول الفقه، وتقسيمها إلى الكتاب والسنة والإجماع واجتهاد الرأي، والكلام في وجه دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام أمر معروف من زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وهم كانوا أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم، فلقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شريح:"اقض بما في كتاب الله، فان لم يكن فبما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان لم يكن فبما اجتمع عليه الناس، وفى لفظ فبما قضى به الصالحون، فان لم تجد فان شئت أن تجتهد رأيك"، وكذلك قال ابن مسعود وابن عباس، وحديث معاذ من أشهر الأحاديث عند الأصوليين.
فما من نازلة نزلت على العبد إلا وفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الدليل على سبيل الهدى فيها، قال الله تبارك وتعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} ، وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ، وقال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وبشرى للمسلمين} .
وهذا الإمام الشافعي -رحمه الله- وهو أول من جرد الكلام في أصول الفقه، يقول في الرسالة ج:1 ص:19:"فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الريب ونورت في قلبه الحكمة"، فالرعيل الأول من سلف الأمة وأئمتها كانوا هم الأسبق إلى هذه الفضيلة، والأكثر نورا بهذه الحكمة.
وأحق الناس بمعرفة أصول الفقه هم الأئمة المجتهدون؛ كمالك والشافعي والأوزاعي وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل، وأتباعهم، بل هؤلاء ونحوهم كانوا يعرفون الأدلة بأعيانها، ويستعملون الأصول في الاستدلال على الأحكام، بخلاف غيرهم من الذين يجردون الكلام في أصول مقدرة أنتجها التخمين، بعضها وجد وبعضها لا يوجد، من غير معرفة بأعيانها، فإن هؤلاء لو كان ما يقولونه حقا فمنفعته إما قليلة أو معدومة، كمن يتكلم في الفقه فيما يقدره من أفعال العباد؛ وهو لا يعرف حكم الأفعال المحققة منه، فكيف وأكثر ما يتكلمون به من هذه المقدرات هو كلام باطل.
وأما ما زعمه كثير من المتأخرين من أمثال الدكتور عمارة والدكتور أبو زهرة وغيرهم، من أن