الصفحة 18 من 35

ذلك إلا بتصفية ماء النبوة الزلال مما علق به ثم تراكم وترسب عند كثير من الناس من المفاهيم والأفكار الخاطئة، والتي لا تمت إلى الإسلام بشيء من الوصال، ولا حتى بشيء من العقلانية والموضوعية.

فلقد ورث المسلمون كما هائلا من أراء الرجال -متكلمين وصوفية ونظار ومفكرين وفقهاء-، وبجهلهم ودون تحقيق جعلوها هي الدين وهي منهج السلف الصالح، فجنوا على قائليها عند من لا يعرفهم ولا يقدرهم حق قدرهم، وجنوا على الرعيل الأول إذ نسبت إليهم وهم براء من كثير منها، ثم جنوا على هذه الشريعة، إذ أظهروها في أعين الغير ضعيفة عقيمة لا تصلح لمسايرة مستجدات العصر بكل مشاكله وأطروحاته، ولا لقيادة الأمة والنهوض بها من الأوحال الغارقة فيها منذ أن تركت الكتاب والسنة على هامش الحياة، فسلطوا عليها الفلاسفة والمستشرقين في هذا العصر وأفراخهم من العلمانيين واللبراليين والمدعون للمنهج العلمي والتحقيق والموضوعية من الغرب والشرق.

إن مما لابد منه حتى ترجع الأمور إلى نصابها، وحتى تعلو هذه الأمة على غيرها، أن تصير هذه الأمة أمة دليل ودليل فقط، وهذا هو التجديد الذي يجب على علمائها ودعاتها ومفكريها السعي وراءه وتحصيله، والتجديد إنما يكون بعد الدروس، وحتى يتم لنا ولهم ذلك؛ علينا تجديد هذا الدين بتنقية منهج السلف الصالح مما علق به من آراء شخصية قد قيلت تحت ملابسات وظروف عصر سالف قد لا تصلح في هذا العصر المغاير للعصور السالفة مغايرة كبيرة، وعليه فالملزم الوحيد للناس هو العلم الذي يقوم على الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما وراءه من أراء الناس ينبذ ويترك وإن قاله من قاله، إذ يجوز أن يكون للعالم والمفكر حجة في ترك العمل بالحديث الصحيح، لكننا لم نطلع على هذه الحجة، ثم إن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها أو لا يتسنى له ذلك، وإذا أبداها فقد تبلغنا كما أبداها وقد تبلغ محرفة وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه ووجه استدلاله وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا، لكن وإن جاز هذا وكان صاحبه معذورا فيه مغفورا له خطؤه مأجورا على اجتهاده، فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح، ووافقه طائفة من أهل العلم، إلى قول آخر قاله عالم أو مفكر يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن علا شأنه وعظم قدره، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء والمفكرين أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم والمفكر.

وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجاذب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع يذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".

نستخلص من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: وهم ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم حقا، وهم الذين فهموا الدين ومقاصده، فقاموا به علما وعملا ودعوة إلى الله عز وجل ورسوله وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وهم الذين قام الدين بهم، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها وزكا الناس بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين فأدركوا الحق وبين القوة على تبليغ الدعوة وتنفيذها، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {واذكروا عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} ، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين، والتفكير والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص واستنبطت منها ونهلت من علومها وكنوزها، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقد سئل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت