ومنعني الثالثة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها"، والبأس مشتق من البؤس، قال الله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض} ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله تعالى" {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال:"أعوذ بوجهك" {أو من تحت أرجلكم} قال:"أعوذ بوجهك" {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال:"هاتان أهون"، فدل على أنه لابد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض مع براءة الرسول في هذه الحال و هم فيها في جاهلية.
وقد روى مالك عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: ترك الناس العمل بهذه الآية تعنى قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ، فإن المسلمين إذا اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم وجبر الكسر، فإذا لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية واستفحل المرض، وهكذا مسائل النزاع التي تنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم ترد إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضا دون بغي ولا عدوان، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول مثل تكفيره ورميه بالزندقة و تفسيقه وتبديعه، وإما بالفعل مثل حبسه و ضربه و قتله و هذه حال أهل البدع و الظلم كالخوارج و أمثالهم يظلمون الأمة و يعتدون عليهم إذا نازعوهم في بعض مسائل الدين، وكما تفعل الرافضة و المعتزلة و الجهمية و غيرهم.
فالعبد إذا خفي عليه بعض ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم إما عادل يعمل بما و صل إليه من آثار الأنبياء و لا يظلم غيره، وإما ظالم يعتدي على غيره، و هو ظالم مع علمه بأنه يظلم، كما قال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} ، و إلا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم بعضا، كالمقلدين لأئمة الفقه الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعى أن قول متبوعه هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من يخالفه مع أنه معذور، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه.
ثم إن الناس في نقدهم وردهم على خصومهم قد تسود نفوسهم وتسيطر على عقولهم شبه تعمي القلوب وتصم الآذان وتوهم السامع ما لا حقيقة له، فيضيع في سراديب الشك والحيرة، وتولد لهم من الاختلاف المذموم ما يوجب لهم من العداوة والبغضاء ما الله به عليم، وهي مبنية على مقدمات، نذكر منها لا على سبيل الحصر ما يلي:
الأولى: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهى عنه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأنه مقصر في دينه، وأنه تارك للمأمور مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه، وأنه أعلى منزلة عند الله منه، وأنه أسد قولا وأصح عقلا وأقوم منهاجا من خصمه، وأنه القائم بأصول الدين وغيره غارق في فروع الدين، وأنه الناصح الأمين لهذه الأمة والفاعل في تفعيل طاقاتها للنهوض بها، وخصمه غير ناصح يحسب أنه كذلك، مثبط لهذه الأمة، محرف لغايتها ومطلبها من إقامة هذا الدين في الأرض والخروج بها من التخلف المطبق عليها، واعتقاده أنه هو المعتدل وأنه صاحب الوسطية، وخصمه هو المتطرف أو المتسيب حسب ما يحلو له وتهواه نفسه من إدانة الخصم دون بينة، فيتسلط على غيره بتهم كثير منها باطلة حتى يتسنى له تهميشه ثم نشر أفكاره ومعتقداته وتعميمها، نسأل الله العافية من هذا الظن الكاذب والغرض الفاسد، ونعوذ بالله من الغرور بالنفس، والله المستعان.
وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وغيره هو الظالم المبطل من كل وجه،