الصفحة 15 من 35

يلونهم، وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم، ولم يكن في زمنهم أحد من هذه الصنوف الأربعة، ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوايه ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية وهم أهل الحديث والسنة، العالمون بطريقهم، المتبعون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر.

فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد، وذلك لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرا بمعاني القرآن، خبيرا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبيرا بآثار الصحابة، فقيها في ذلك، عاملا بذلك، وهؤلاء هم أفضل الخلق من المنتسبين إلى العلم والعبادة، وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولا تلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيرا بطريقة الصحابة والتابعين فلم يكن منهم، بل كان يقول عن نفسه أنا مزجى البضاعة في الحديث، ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات المكذوبة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار، ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ذلك، وبما وجد في كتب أبي طالب ورسالة القشيري وغير ذلك، وبما وجده في كتب أصحاب الشافعي ونحو ذلك، فنور النبوة ولابد أن يضيء حتى لمن حام حوله، فخيار ما يأتي به ما يأخذ من هؤلاء وهؤلاء (من العقيدة الأصفهانية بتصرف) .

وهذا إمام الحرمين أبو المعالي الجويني يذم الكلام ويحذر منه، وهو آخر ما مات عليه، إذ يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ج: 18 ص: 471:

"وقرأت (القارئ هو السمعاني) بخط أبي جعفر أيضا سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري ثم الرحيل على كلمة الإخلاص لا إله إلا الله؛ فالويل لابن الجويني".

ثم قال:"قال المازري في شرح البرهان، في قوله: إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، وددت لو محوتها بدمي، وقيل: لم يقل بهذه المسألة تصريحا، بل ألزم بها، لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة فالله أعلم، قلت: هذه هفوة اعتزال هجر أبو المعالي عليها، وصله أبو القاسم القشيري لا يكلمه، ونفي بسببها، فجاور وتعبد وتاب ولله الحمد منها، كما أنه في الآخر رجح مذهب السلف تركها".

ثم قال:"قال الفقيه غانم الموشيلي: سمعت الإمام أبا المعالي يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام."

قال أبو المعالي في كتاب الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فحواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في القرآن وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا، وندين الله به عقدا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت