حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود.
قال: ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على سبيل الندور في أمور جليلة تكاد تفهم قبل التعمق في صناعة الكلام، قل بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا، ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة، ثم قال: وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون صاحبه كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر أن لا يضعه إلا في موضعه، وعلى قدر الحاجة، وقال: إن فيه من المضرة من إثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وفيه مضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ويمكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجهل، (انتهى كلام أبي حامد) .
قال ابن القيم معلقا: فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة وتعمقه في ذلك، يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام، ويذكر أنه ليس فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول أمته، وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون معارضا لها، فضلا عن أن يكون مقدما عليها، فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول معارضا للكتاب والسنة، وما كان معارضا لهما فهو من الكلام الباطل المردود المرذول، الذي لا ينازع في ذمه أحد من أهل الإسلام، لا من السلف ولا من أتباعهم من الخلف، هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من العقليات والجدل والكلام مبتدعا وإن قصد به نصر السنة، فكيف ذمهم لمن عارض السنة بالبدعة والوحي بالرأي وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق؟ وهذا الذم من أبي حامد للكلام وأهله ذم متوسط بحسب ما اطلع عليه من غوائله وآفاته وبحسب ما بلغه من السلف، ولم يكن جزمه بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كجزمه بما سلكه من طريق الكلام والفلسفة، فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره، فإن ما ذكره من أن مضرته في إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يقال إذا كان الكلام في نفسه حقا بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة، بل معلوماته، فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك.
ثم قال: وأما السلف فلم يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك، ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله، بل كانوا أعلم الناس بذلك، ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي إلى علم نافع، ولا مناظرة في ذلك إما لهدى مسترشد وأما لقطع مبطل، بل هم أكمل الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها، فإن القوم كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وأوصله إلى المقصود بأقرب الطرق وهو كلام الله، وكانوا ينظرون في آيات الله تعالى الأفقية والنفسية فيرون منها من الأدلة ما يبين أن القرآن حق، فيتطابق عندهم السمع والعقل ويتصادق الوحي والفطرة كما قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت 53] ، وقال: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ 6] ، (انتهى كلام ابن القيم) .
فهذا أبو حامد الغزالي قد أخبر بما حصل له من التيه والسفسطة، حيث انحصرت فرق الطالبين عنده في أربع فرق وهي: المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية، ومعلوم أن هذه الفرق كلها إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم، ثم الفلاسفة والباطنية هم كفار كفرهم ظاهر عند المسلمين كما ذكر هو وغيره، وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من المسلمين إذا عرفوا حقيقة قولهم، لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم، وقد يكون قد تشبث ببعض أقوالهم من لم يعلم أنه كفر فيكون معذورا لجهلة، ولكن في المتكلمين والصوفية ممن له علم وإيمان طوائف كثيرون، وكلام السلف والأئمة في ذم البدع الكلامية في العلم والبدع المحدثة في طريقة الزهد والعبادة مشهور كثير مستفيض، ولم يتنازع أهل العلم والإيمان فيما استعاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين