ونؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الله خلق الخلق وقدّر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا، وعلم ما هم عاملون من قبل أن يخلقهم، فعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن؛ لو كان كيف يكون.
هداهم النجدين، فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته.
ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد - إلا ما شاء لهم - فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء، ويعصم وينجي فضلًا منه، ويضل من يشاء، ويُشقي ويخذل عدلًا منه، وكل العباد يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، لا رادَّ لقضائه ولا مُعقّبَ لحكمه، ولا غالب لأمره.
ما للعباد عليه شيءٌ واجبٌ كلا ولا سعيٌ لديه ضائعُ
إن عذبوا فَبِعَدْلِهِ أو نُعّموا فبفضله وهو الكبيرُ الواسعُ
والخير والشر؛ مقدران على العباد.
ولم يكلف الله العباد إلا ما يطيقون، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ أي لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله سبحانه، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله.
وكما أن المسبَّبات من قدر الله الذي فرغ منه، فكذلك أسبابها أيضًا من قدر الله الذي فرغ منه.
والإيمان بالقدر على درجتين؛ وكل درجة تتضمن شيئين
فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون، فسبق علمه في كل كائن في خلقه، فقدَّر ذلك تقديرًا محكمًا، قال تعالى {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِيْنٍ} [يونس 61] ، وقال تعالى {وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان 2] ، وقال {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًَا مَقْدُورًَا} [الأحزاب 38] .
ثم كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وضمَّنه مقادير الخلق.