خمسين رجلًا يعملون مثل عمله"قلت يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال:"أجر خمسين منكم"وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم، فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه، وفقهًا في سنة رسوله، وفهمًا في كتابه، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزرائهم به، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه، كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه، فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه، فهنالك تقوم قيامتهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله، فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته، لا يجد من العامة مساعدًا ولا معينًا، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمر بالمعروف، ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر، والمنكر معروف، فصل: النوع الثاني من الغربة، غربة مذمومة: وهي غربة أهل الباطل، وأهل الفجور بين أهل الحق، فهي غربة بين حزب الله المفلحين، وإن كثر أهلها فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم، أهل وحشة على كثرة مؤنسهم، يعرفون في أهل الأرض ويخفون على أهل السماء ... [1] الخ) [2] ."
5)وله أيضًا من أبيات النونية:
لا توحشنك غربة بين الورى ... فالناس كالأموات في الحيان
أو ما علمت بأن أهل السنة ... الغرباء حقًا عند كل زمان
قل لي متى سلم الرسول وصحبه ... والتابعون لهم على الإحسان
من جاهل ومعاند ومنافق ... ومحارب بالبغي والعدوان
وتظن أنك وارث لهم وما ... ذقت الأذى في نصرة الرحمن
كلا ولا جاهدت حق جهاده ... في الله لا بيد ولا بلسان
منَّتك والله المحال النفس فاسـ ... ـتحدث سوى ذا الرأي والحسبان
لو كنت وارثه لآذتك الأُلى ... ورثوا عداه بسائر الألوان [3]
6)وله أيضًا رحمه الله من النونية:
(1) لم أود أن أذكر تمام كلام ابن القيم في النوع الثالث من الغربة لأنها لا علاقة لها في موضوعنا هنا وهي غربة الأوطان.
(2) مدارج السالكين (3/ 195 - 200) .
(3) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (2/ 256) .