الصفحة 56 من 61

ذي طمرين [1] لا يؤبه له [2] لو أقسم على الله لأبره" [3] ثم قال: (ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالإتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة، ومفارقة للسواد الأعظم.) ثم يقول: ( .. وكان الإسلام في أول ظهوره غريبًا، وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبًا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته، فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعًا من القبائل بل آحادًا منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقًا، حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجًا، فزالت تلك الغربة عنهم، ثم أخذ في الاغتراب والترحل، حتى عاد غريبًا كما بدأ، بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدًا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس. وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة، ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول، فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم، فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبًا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم؟! وأُعْجِبَ كل منهم برأيه كما قال النبي:"مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم، فإن وراءكم أيامًا صبر، الصابر فيهن كالقابض على الجمر" [4] ولهذا جُعِلَ للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة، ففي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: سألت رسول الله عن هذه الآية:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [5] فقال:"بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام، فإن من وراءكم أيام الصَبْرْ، الصَبْرُ فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن أجر

(1) "ذي طمرين: بكسر فسكون أي صاحب ثوبين خليقين". أنظر نفس المرجع.

(2) "لا يؤبه له: بضم الياء وسكون واو وقد يهمز وفتح موحدة وبهاء أي لا يبالى به ولا يلتفت إليه". أنظر نفس المرجع.

(3) سنن الترمذي (5/ 692) حديث (3854) ، وقال:"هذا هذا حديث صحيح حسن من هذا الوجه"، وصححه الألباني.

(4) للحديث ألفاظ مختلفة لكنها متقاربة في المعنى، وقد ذكر ابن القيم لفظًا آخر للحديث بعد ذكره لهذا اللفظ مباشرة، وأما عن الحديث فقد رواه ابن حبان في صحيحه (2/ 108 - 109) حديث (385) ، والحاكم في المستدرك (4/ 358) حديث (7912) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ورواه الترمذي (5/ 257) حديث (3058) وقال:"هذا حديث حسن غريب"وقال الألباني:"ضعيف لكن بعضه صحيح"، والطبراني في المعجم الكبير: (22/ 220) حديث (587) ، وأبي داود في سننه (4/ 123) حديث (4341) ، وغير ذلك من كتب السنة لا نذكرها للاختصار.

(5) المائدة (105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت