الصفحة 54 من 61

ونذكر في هذا الفصل كلام بعض العلماء:

1)قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقوله صلى الله عليه وسلم:"ثم يعود غريبًا كما بدأ"أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى:(مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) [1] فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.

وكذلك بدأ غريبًا ولم يزل يقوى حتى انتشر. فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة، ثم يظهر حتى يقيمه الله - عز وجل - كما كان عمر بن عبد العزيز لما ولي، قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس، حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر. فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريبًا.

وفى السنن:"أن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" [2] والتجديد إنما يكون بعد الدروس وذاك هو غربة الإسلام.

وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام، كما كان الأمر حين بدأ. قال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [3] إلى غير ذلك من الآيات والبراهين الدالة على صحة الإسلام.

وكذلك إذا تغرب يحتاج صاحبه من الأدلة والبراهين إلى نظير ما احتاج إليه في أول الأمر. وقد قال له: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) [4] وقال تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [5] .

وقد تكون الغربة في بعض شرائعه وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد.

(1) المائدة (54) .

(2) حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/ 567) حديث (8592) و (8593) ، ورواه أبو داود في سننه (4/ 109) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة (2/ 148) .

(3) يونس (94) .

(4) الأنعام (114 - 116) .

(5) الفرقان (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت