فقد كثر في هذا الزمان من تعلق بالأثر الضعيف المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وترك الآثار الصحيحة له رضي الله عنه ولم يكتفوا بذلك بل قاسوها على القوانين الوضعية تبرئة للحاكمين بها ومشرعيها.
فأما الأثر الضعيف المروي عنه هو قوله عن الحكم بغير ما أنزل الله: (كفر دون كفر) وهذا الأثر رواه عن طاووس عن ابن عباس هشام بن حجير وهو ضعيف فقد ضعفه الأئمة المعتدلين من أمثال الإمام أحمد بن حنبل و يحيى بن معين والعقيلي [1] وغيرهم، ومع ذلك فإن هؤلاء تركوا الآثار الصحيحة المروية عن ابن عباس رضي الله عنه كالأثر الذي رواه عبد الله بن طاووس عن أبيه طاووس عن ابن عباس أنه قال حين سئل عن الحكم بغير ما أنزل الله: (هو به كفر) ، وفي رواية (كفى به كفر) ، وفي رواية (هي كفر) [2] فنقول لهؤلاء إن التمسك بالروايات الضعيفة وترك الصحيحة هو من طرق أهل البدع والأهواء، ونقول لهم أين أنتم من الأقوال الآخرى للسلف الصالح كقول ابن مسعود رضي الله عنه لما سأله علقمة ومسروق رحمهما الله عن الحكم - أي الحكم بغير ما أنزل الله - فقال ذاك الكفر ثم تلا قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [3] ، وأين أنتم عن مقولة السدي:"ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين" [4] .
واعلم أخي في الله أننا إن لم نقل بضعف هشام بن حجير فأقل ما يقال فيه أنه صدوق له أوهام، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب [5] ، أما عبد الله بن طاووس فقد قال عنه الحافظ ابن حجر:"ثقة فاضل عابد" [6] . ومن المعلوم من علم مصطلح الحديث أن حديث ابن حجير (كفر دون كفر) أقل ما يقال فيه أنه شاذ - وهو من أقسام الحديث الضعيف - على اعتبار أن هشام هذا صدوق، لأن الحديث الشاذ هو ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه عددًا، أو عدالةً، أو ضبطًا. [7] وهنا قد خالف هشام من هو أرجح منه ضبطًا.
(1) انظر الضعفاء للعقيلي (4/ 337-338) والكامل (7/ 2569) لابن عدي وتهذيب الكمال (30/ 179-180) وهدي الساري (447-448) . وانظر كتاب ألا إن نصر الله قريب للشيخ سليمان العلوان (ص8 - 9) .
(2) رواه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 191) ، وابن جرير (6/ 256) ، ووكيع في أخبار القضاة (1/ 41) وغيرهم بسند صحيح وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه. وانظر كتاب ألا إن نصر الله قريب للعلوان (ص8 - 9) .
(3) انظر تفسير ابن جرير الطبري (2/ 62) و (6/ 257) ، تفسير الآية (44) من سورة المائدة.
(4) انظر تفسير ابن جرير الطبري (2/ 62) و (6/ 257) ، تفسير الآية (44) من سورة المائدة.
(5) انظر تقريب التهذيب (3/ 572) رقم الترجمة (7288) .
(6) انظر تقريب التهذيب (2/ 308) رقم الترجمة (3397) .
(7) شرح المنظومة البيقونية للعثيمين رحمه الله (ص87 - 93) . وغيره من كتب مصطلح الحديث.