وبعض العلماء يرى أن حديث ابن حجير هذا منكر، على اعتبار أن هشام هذا ضعيف، والمنكر هو ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة [1] .
وتنزلًا مع القوم فلنعتبر صحة ما استدل به القوم، فنقول مستعينين بالله أن هذا الأثر المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه يفهم بما سطره العلماء الربانيين لا بما يفهمه هؤلاء القوم بعقولهم السقيمة المريضة، فإن العلماء يقولونها إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله في القضية الواحدة أو نحوها، مع اعتقاده أنه مخطئ، وأنه إنما فعل ذلك هوى أوشهوة، وأنه مستحق للعقوبة على ذلك [2] .
فانظر إلى ما سطره أئمة الإسلام في ذلك:
1)قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة) [3] .
2)وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانًا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر) [4] .
3)وقال شارح الطحاوية ابن أبي العز: (وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرًا إما مجازيًا، وإما كفر أصغر، على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم، فإن اعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص، ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًا أو كفرًا أصغر) [5] .
(1) شرح المنظومة البيقونية (ص93) .
(2) تنبيه: الحاكم بغير ما أنزل الله إذا كان معرضا دائما ومتول دائما عن حكم الله فهذا يكفر كفرًا أكبر، قال تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(43) ، فنفى الله عنهم الإيمان لتوليهم عن حكمه، أما الحاكم الذي يحكم بالشريعة الإسلامية في كل أموره ولكنه في قضية واحدة أو نحوها حكم بغير ما أنزل الله هوى منه مع إقراره على نفسه بالخطأ والعصيان وأنه مستحق للعقوبة فهذا يكفر كفرا أصغر، لعدم إعراضه عن حكم الله في الجملة. ومع هذا فليس مرادنا بترك جنس الحكم هنا، ترك عموم الحدود والأحكام الشرعية، بل من ترك جنس حكم أو حد واحد منها فهو كافر كفر إعراض وتولٍّ أو إباءٍ وامتناع عن ذلك الحد-كما فعل اليهود حين امتنعوا عن حكم الله في حد الزنا فذكر الله أنهم ليسوا بمؤمنين-
(3) منهاج السنة (5/ 131) .
(4) مدارج السالكين (1/ 336) .
(5) (ص364) .