ومع هذا، فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله، فإن إظهاره، والأمر به، والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [1] أ. هـ [2] ، وكلامه رحمه الله في ذاك الزمن.
2)قال ابن القيم رحمه الله: ( ... وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلَّ العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين) [3] .
3)وقال: (والدين كل ما له في غربة ونقصان والله المستعان) [4] .
4)وقال: ( .. فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًا، فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم:(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم) ثم قال: (فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله أهلها، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبًا، وأنه سيعود غريبًا كما بدأ، وأن أهله يصيرون غرباء. وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقًا، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟! فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده. فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنَسُ ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه) ثم قال: (ومن هؤلاء الغرباء من ذَكَرَهُم أنس في حديثه عن النبي"رب أشعث [5] أغبر [6] "
(1) الحديث الذي وقفت عليها في الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"رواه مسلم (1/ 69) حديث (49) ، وابن حبان في صحيحه (1/ 540) حديث (306) ، وأبي عوانة في مسنده (1/ 43) حديث (97) ، وأبي داود في سننه (1/ 296) حديث (1140) ، والنسائي في المجتبى (8/ 111) حديث (5008) ، ومصنف عبد الرزاق (3/ 285) حديث (5649) ، وغيرها من كتب السنة نتركها للاختصار.
(2) الفتاوى (18/ 296 - 299) .
(3) زاد المعاد (3/ 507) .
(4) إعلام الموقعين (2/ 257) .
(5) "أشعث: أي مفترق شعر الرأس". أنظر تحفة الأحوذي (10/ 240) .
(6) "أغبر: أي مغبر البدن". أنظر نفس المرجع.