فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 73

4 -حرر الشيخ محمد بن إبراهيم مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى تحريرًا علميًا عميقًا كما هو مبسوط في رسالته الموسومة"تحكيم القوانين"حيث استوعبت هذه الرسالة الأحوال التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر أو أصغر، ومن تلك الأحوال المستجدة في عصره: التحاكم إلى المحاكم الوضعية أو"سلوم"القبائل وعوائدهم، حيث بيّن حالها ووصفها ثم نزّل الحكم الشرعي عليها ( [100] ) .

هـ - واقتفى العلامة عبدالله بن حميد ( [101] ) - رحمه الله - أثر شيخه محمد بن إبراهيم في الذبّ عن الشرع المطهر وبيان محاسن الشريعة، والتحذير من القوانين الوضعية وبيان فسادها، فسطّر رسالة مهمة بعنوان"كمال الشريعة وشمولها لكل ما يحتاجه البشر"فذكر أقسام السياسة الثلاثة (شرعية، وجائزة، وشيطانية) ، كما أورد بيان الشريعة للسياسة الداخلية والخارجية، وما تتميّز به الشريعة من الشمول والكمال ( [102] ) .

كما بيّن - في رسالة أخرى - مكانة القضاء في الإسلام، ما كان عليه قضاة الإسلام من العدل مع كل إنسان وفي كل حال ( [103] ) ، ودعا الشيخ - في رسالة ثالثة - لإصلاح القضاء، وذلك بتولية الأكفاء ممن عرف بالعلم والديانة، كما طالب بتيسير إجراءات أصحاب القضايا، وتسهيل معاملاتهم، وذلك بالتخفف من تلك الأنظمة التي من شأنها تعقيد القضايا، وتكليف الخصوم بأعباء يحصل المقصود بدونها، وألمح الشيخ إلى أن إهمال تلك المآخذ وعدم تصحيحها سبب في ميل العامة إلى القوانين الوضعية وظنهم أنها تضمن لهم حقوقهم ( [104] ) .

وألّف الشيخ ابن حميد رسالة في نقد بعض القوانين المعاصرة، فبيّن ما في موادها من المفاسد والأخطاء، كما كشف عن عوارها وتناقضها ( [105] ) ، وختم الرسالة بقوله:-

"أنحن في حاجة إلى تشريع أحد، وكتاب الله بين أيدينا وسنة ورسوله r بين أظهرنا؟ هل الشريعة قاصرة على حل مشاكلنا؟ كلا والله ثم كلا، إنها والله الكافية الوافية، التي لم تدع شيئًا مما يحتاج إليه البشر في ماضي الزمان وحاضره ومستقبله إلا أتت به على الوجه الأكمل وأوضحه وأعدله."

ويا عجبًا: أترمى شريعتنا بالتقصير في حل مشاكلنا، ونمد يد الفقر والحاجة إلى أعدائنا، ليعلمونا حل مشاكلنا؟ أيشهد أعداؤنا بكمال الشريعة ونضوجها وصلاحها لكل زمان ومكان، ونكذبهم بأفعالنا؟

أيعدل عن الشريعة الكاملة العدل إلى نظم في غاية من التناقض والظلم والجور؟ يشهد بعضها على بعض بعدم ملاءمتها، ووضوح تناقضها؟ ( [106] ) "."

3 -نوازل المذاهب المعاصرة والأفكار الوافدة

عرض لجزيرة العرب ما عرض لسائر بلاد المسلمين، فظهرت مذاهب حادثة وأفكار وافدة، وكان لعلماء الدعوة في نجد مساعي مشكورة تجاه تلك المذاهب والأفكار، حيث تعرّفوا على حقائقها و كشفوا عن عوارها وباطلها، وكتبوا الردود والأجوبة عنها بعلم وعدل، وسنسوق نماذج من تلك المذاهب والأفكار مع بيان جهود علماء الدعوة نحوها

ا - التنصير:

1 -قدم البحرين مندوب إنجليزي - قبيل الاستعمار الانجليزي - وكان قسيسًا نصرانيًا، ومعه كتاب يحوي شبهات في إثبات صحة النصرانية وتوهين دين الإسلام فعرضه على حاكم البحرين عبدالله بن أحمد بن خليفة، وطلب منه عرضه على علماء البحرين ليجيبوا عنه أو يقرّوا بصحة ما فيه إن عجزوا، فعرضه عبدالله بن خليفة فقالوا لا نستطيع الردّ عليه، ولا على دفع الشبه التي فيه، ثم بعثه إلى علماء الأحساء فكان جوابهم مثل جواب أهل البحرين، وانقطع الجميع عن الردّ عليه، فاغتم حاكم البحرين، فقال له أحد خواصه، إنه يوجد في البحرين شاب من طلبة العلم بنجد فأرى أن تعرضه عليه عسى أن يكون له عنده جواب، فأعطى ابن خليفة الكتاب لرفيقه ليدفعه إلى الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن معمر ( [107] ) ، فعرضه عليه وقص عليه الأمر، وتصفحه ثم أمعن النظر فيه وقال: سأعطيكم الجواب عليه بعد شهر إن شاء الله تعالى، فلم يمض الشهر حتى دفع إليهم الجواب السديد واسمه"منحة القريب المجيب في الردّ على عباد الصلبيب"، ففرح بالكتاب حاكم البحرين، ثم دعا القسيس الإنجليزي وناوله الرد، فلما قرأه دهش من قوة الجواب وسداد الرأي ( [108] ) .

2 -جاء في رسالة خطية كتبها الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى سنة 1310هـ ( [109] ) أن له مؤلفًا بعنوان"القول الكفيل برد البرهان الجليل"وهو ردّ على رسالة سماها صاحبها"البرهان الجليل في صحة التوراة والإنجيل"وذكر ابن عيسى أن للشيخ حسن حسين الطويراني ( [110] ) كتابًا بعنوان"دليل أهل الإيمان في صحة القرآن"في الرد على البرهان الجليل، وقد أثنى ابن عيسى على هذا الكتاب كما أعقب ذلك بجملة من الملحوظات.

3 -كان الشيخ محمد رشيد رضا ( [111] ) قد طالب المسلمين بتأليف جمعية إسلامية في البحرين والكويت، وقال:"فعليهم أن يؤلفوا جمعية للدفاع عن دينهم يكون أول عملها مجاهدة هؤلاء الدعاة المبشرين بمثل ما يجاهدون المسلمين به .. ( [112] ) "وقد بادر المحسن مقبل بن عبدالرحمن الذكير ( [113] ) فأنشأ ناديًا في البحرين سنة 1330هـ باسم"النادي العربي الإسلامي"من أجل تحرير المقالات وإعداد الردود على النصاري الذين انتشروا في أطراف الجزيرة العربية، وقد تولى الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع ( [114] ) - رحمه الله - رئاسة النادي المذكور، وقام به خير قيام ( [115] ) .

لقد انتشر مذهب السلف الصالح في بلاد الخليج على يد علماء الدعوة وأتباعهم، وكان انتشاره سببًا في مكافحة المنصرين ومقاومتهم ( [116] ) .

وهذا أمر معلوم تثبته وقائع التاريخ فإن ظهور السنة يلازمه عز الإسلام وأهله وذل الكافرين كما حصل في خلافة المتوكل على الله والقادر ونحوهما ( [117] ) .

ب - الزندقة والإلحاد:

ظهرت الشيوعية في القرن الرابع عشر الهجري، وامتد إلحادها إلى كثير من البلدان، فوجد من يدعو إلى إنكار وجود الله تعالى والانسلاخ من الدين والطعن في الغيبيات، كما وقع من عبدالله بن علي القصيمي ( [118] ) ، والذي كان معروفًا بالعلم وله تصانيف حسنة في عقيدة السلف والردّ على المخالفين، ثم انتكس وسلك طريق الزندقة والكفر البواح، وألّف كتبًا إلحادية مثل"هذه هي الأغلال،"العالم ليس عقلًا"، فقام علماء الدعوة السلفية بالذبّ عن دين الله تعالى ونقض أصول الملحدين وشبهاتهم، ومن تلك الجهود ما يلي:-"

1 -ألّف الشيخ إبراهيم بن عبدالعزيز السويح ( [119] ) - رحمه الله- كتابًا بعنوان"بيان الهدى من الضلال في الردّ على صاحب الأغلال"و يتكون من مجلدين، ويقارب مائتين وألف صفحة، فهو أوسع كتاب في الرد على القصيمي، ويتميّز هذا الكتاب بمزايا مهمة منها:-

-حوى الكتاب جوانب مهمة تتعلق بحياة القصيمي مثل أسباب ردته، والحديث عن سلوكياته وأخلاقه ( [120] ) ، كما نقل حكم العلماء على القصيمي بالردة والكفر الصراح، كالشيخ محمد بن إبراهيم وعبدالله العنقري و عبدالله بن حسن آل الشيخ ( [121] ) .

-برع المؤلّف في كشف تناقض القصيمي في أغلاله، فربما أثبت ما نفاه، وكذا العكس ( [122] ) .

-حوى الكتاب على نقد لاذع وهجوم ساخر مقابلةً للقصيمي في سخريته بالدين وأهله ( [123] ) .

-حفل الكتاب بردود عقلية محكمة وأجوبة مسددة، فربما قلب الشيخ السويح الدليل على القصيمي فجعله حجة عليه، كما تميّز المؤلف بدقته ورسوخه في إيراد المآخذ على الأغلال ( [124] ) .

-تميّز المؤلّف - في هذا الكتاب - بسعة اطلاعه، ورجوعه إلى مصادر متنوعة، لاسيما فيما يتعلق بالكتب المعاصرة مثل: جمعية أم القرى للكواكبي، والفلسفة القرآنية للعقاد، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، والعبرات للمنفلوطي، وحضارة العرب لجوستاف لوبون ونحوه ( [125] ) .

-يلحظ ما تحلى به المؤلف من وعي بواقع العالم المعاصر ودراية بأحوال الأمم وثقافاتهم وسياساتهم ( [126] ) .

2 -وأما الشيخ عبدالرحمن السعدي فقد فاق أقرانه وأهل عصره في مجاهدة الملاحدة ونقض أصولهم، فكتب ثلاثة مؤلفات مفردة في هذا المجال.

فأما الكتاب الأول فهو"تنزيه الدين وحملته مما افتراه القصيمي في أغلاله"حيث تميّز هذا الكتاب بأمور منها:

-ذكر المؤلف خلاصة (الأغلال) وأهم أصوله ومقاصده، وبيّن أن كتاب"هذه هي الأغلال"يدور على أمرين:-

1 -أن المسلمين في هذا العصر متأخرون عن غيرهم في الاختراعات والصناعات.

2 -أن غيرهم مهر في هذه الأمور مهارة فائقة، ورتّب على ذلك أنه يجب رفض ما عليه المسلمون من عقائد وأعمال، وقرر في كتابه أن الإسلام أغلال وقيود تقيد الإنسانية عن التقدم والارتقاء، ثم نقض السعدي تلك الأصول الفاسدة، وساق جملة من محاسن الإسلام ومزاياه ( [127] ) .

-تميّز مؤلفه بالموضوعية والعدل والرحمة، فقد أشار المؤلف إلى كتب القصيمي السابقة في نصرة الحق والردّ على المبتدعين والملحدين، وقال عن الأغلال"ونحن لا ننكر ما في كلامه من المعاني الصحيحة وإن لم يكن هو أول من قالها ( [128] ) "

-وقال - في موطن آخر:"ونرجو الله أن يعيده إلى الحق والتنصل ونقض ما كتبه واجترأ عليه ( [129] ) "

-وجاء في آخر الكتاب:-"فوالله إننا لنأسف أشد الأسف على انقلاب هذه الرجل، ونعدّ ذلك من الخسائر علينا، حيث فقدنا هذه الرجل الذي مضى له من المقامات ونصر الحق ما لا ينكر ( [130] ) "

-ومع هذه الموضوعية والرحمة فإن المؤلف بيّن شناعة هذا الكتاب، وما فيه من الكفر البواح والردّة المغلّظة فقال:"من نظر فيه وتأمّله حق تأمّله عرف أنه ما كتب أشدّ وطأة وأعظم عداوة ومحاربة للدين الإسلامي ومنفرًا منه، وأنه ما اجترأ أحد من الأجانب وغيرهم بمثل ما اجترأ عليه هذا الرجل، ولا افترى مفترٍ على الدين كافترائه، وما صرح أحد بالوقاحة والاستهزاء بالدين وأصوله كاستهزائه وسخريته؛ فإن اشتمل على نبذ الدين ومنابذته ومنافقته، ثلاثة لا تبقي من الشر شيئًا إلا تضمنته فإنه صريح في الانحلال عن الدين بالكلية ( [131] ) "

وأوضح السعدي أن الكتاب موجهٌ إلى قلب الدين وروحه، وإلى هدم علومه وجميع مقوماته ( [132] ) .

ولما ساق السعدي كلام القصيمي بأن الإيمان بالله يمنع الرقي وأنه غلّ يمنع من الخير والصلاح، قال معلّقًا:-"وقول وصل إلى هذا الحدّ ليس بعده تقدم إلى الكفر وإنما هو النهاية في الكفر والتعطيل والجحود لربّ العالمين ( [133] ) ".

-يتجلى وعي السعدي ودرايته بأحوال زنادقة هذا العصر حيث ألمح إلى أن القصيمي عميل من قبل جهات أجنبية ( [134] ) ، وبيّن في موطن آخر تهافت أعذاره وتفاهتها فقال السعدي:"وهذا الرجل لابد قد شعر أن الناس لا يشكون ولا يمترون في منافات كتابه وأقواله للدين، فتراه في مطاوي كتابه يعتذر ويدّعي أنه مؤمن بالله ورسوله وبرئ من الإلحاد، أفيظن أن الناس يقيمون لاعتذاره وزنًا؟ وكيف تقع اعتذاراته الطفيفة التافهة في جانب حملاته الشديدة على الدين، والحث البليغ على نبذه وعلى سلوك طريق الملحدين ( [135] ) "

كما أشار الشيخ إلى صفاقة القصيمي فقال:"وهذا الرجل لم يسلك مسلك الحذّاق من الملحدين الذين يموهون بأشياء تروج على كثير من الناس، ولكن جاء إلى أظهر الأشياء وأجلاها وأوضحها، فأنكره غاية الإنكار، وكابر فيه أعظم مكابرة ( [136] ) ".

وأما الكتاب الثاني فعنوانه:"الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين"، ويتميّز بأمور منها:

-ذكر المؤلف أن أصل الإلحاد هو إبطال الشرائع والشك فيها، والإيمان بالمحسوس، وأشار إلى أن أصول الإلحاد تعود إلى أرسطو اليوناني ( [137] ) .

-تضمن الكتابُ ثلاثًا وثمانين وجهًا في الرد على الملحدين.

-استفاد السعدي من كلام شيخ الإسلام - في نقض التأسيس- في الرد على الفلاسفة الملاحدة، وأتمه بأجوبة أخرى.

-بيّن السعدي أن أعظم ما يُبطل الإلحاد معرفةُ دين الإسلام والعمل به، وأنه بطبيعته وبراهينه يضمحل معه كل باطل من كل وجه، وأن حال المسلمين اليوم في تفرقهم وتركهم جمهور مقومات دينهم حتى انحلوا وضعفوا صار فتنة للكفار والمنافقين وشبهة لمن يريد التلبيس ( [138] ) .

وأما الكتاب الثالث فهو"انتصار الحق" ( [139] ) ، وهي رسالة صغيرة لا تزيد عن سبع عشرة صفحة تحوي محاورة لطيفة بين مؤمن وشخص آخر تلبّس بالإلحاد، وساق المؤلف من خلالها شبهات الملاحدة، وبيّن حالهم، ثم أورد أجوبة جلية عن أهل الإلحاد، وبيّن محاسن الإسلام ومزاياه، وتحقيقه السعادة في الدارين، وانتهت هذه المحاورة بتوبة الملحد وعودته إلى الإسلام ..

ولم يقتصر السعدي على هذه الكتب الثلاثة فحسب، بل تضمنت الكثير من كتبه الأخرى أجوبة محررة عن دعاوى الملحدين ( [140] ) .

ولا غرابة أن يهتم السعدي بالردة على الملاحدة، فقد استفحل الإلحاد في عصره، واستحوذ على كثير من الناس، وكما قال السعدي مبينًا ذلك:"ومتى تأملتَ أحوال البشر، وكيف سرى الإلحاد فيهم بصورة هائلة، وزخرفت له الأقوال، وروج بأساليب متنوعة، ونصر بالقوى المادية وجرف بفتنته وتياره الخلق الكثير ( [141] ) ".

وقال - في شأن الملاحدة:"ولم تزل هذه الطائفة الخبيثة في نمو وازدياد حتى طمّ بحرهم في هذه الأوقات الأخيرة، وانسلخوا عن أديان الرسل من جميع أمور الغيب، ونشأ الإلحاد، وطغى الماديون الذين ينكرون ما لم تصل إليه عقولهم .. ( [142] ) ".

والمتأمل فيما كتبه العلامة السعدي عن الإلحاد وأهله، يلحظ عدة أمور منها:

-تميّز السعدي باستبانة سبيل المجرمين، ودراية بنظريات الإلحاد، ومن ذلك نقده لنظرية دارون أثناء حديثه عن الفوائد المستنبطة من قصة آدم أبي البشر عليه السلام حيث قال:-"نبغت في هذه الأزمان المتأخرة فرقة خبيثة زنادقة أنكروا جميع ما جاءت به الرسل، وأنكروا وجود الباري، ولم يثبتوا من العلوم إلا العلوم الطبيعية التي وصلت إليها معارفهم القاصرة."

فبناء على هذا المذهب الذي هو أبعد المذاهب عن الحقيقة شرعًا وعقلًا، أنكروا آدم وحواء، وما ذكره الله ورسوله عنهما، وزعموا أن هذا الإنسان كان حيوانًا قردًا أو شبيهًا بالقرد، حتى ارتقى إلى هذه الحال الموجودة، وهؤلاء اغتروا بنظرياتهم الخاطئة .. ( [143] ) ""

وقال في الردّ على القصيمي:-"فتجرّأ هذا الرجل وترك ما أخبرت به الرسل والكتب السماوية، وسلك مسلك ملاحدة الطبائعيين، الذين نظروا نظرية خرافية تسمى تظرية دراون الإنكليزي، مآلها تسلسل الإنسان عن القرد، والقرد عن كلب أو حيوان دونه، وهكذا خطّأهم فيها قومهم فضلًا عن الرسل وأتباعهم .. ( [144] ) ".

وتحدث عن اضطراب نظريات الملاحدة قائلًا:"شاعت بين أهل الفلسفة كثير من النظريات التي تشبه الفوضى، وكَثُر تعظيم الملحدين وتقليدهم في منتهى نظرياتهم التي بنوها على ظنون وتخرصات وتجارب يكثر خطأها، وهم في تلك النظريات مضطربون بل هم متناقضون، ومن وقف على نظرياتهم الخاطئة أخذه العجب من كثرة اضطرابها وتناقضها، ويرى فريق منهم رأيًا ثم يأتي فريق و ينقضه ويثبت له نظرية غيرها. ( [145] ) ".

-كانت أجوبة السعدي عن ملاحدة عصره ذات شمول واستيعاب، فلم يقتصر على مجرد إثبات وجود الله أو الردّ على من قال إن الحوادث صدفة، بل ردّ على عموم اعتراضاتهم ودعاويهم، فقرر معجزات الأنبياء عليهم السلام، وردّ على المنكرين الملحدين، كما ردّ على الماديين في موضوع السنن الكونية، وأجاب عن شبهات الملحدين كقولهم إن الحدود والعقوبات الشرعية غير لائقة، ودعواهم حرية الفكر ( [146] ) .

-لم يكتف السعدي بمجرد الردّ على الملاحدة، بل كان يورد حقائق مهمة وتقريرات نافعة في معالجة نازلة الإلحاد، فيبيّن أن الإيمان علاج مشاكل الحياة ( [147] ) ، ويؤلف رسالة مستقلة بعنوان"الدين الصحيح يحل جميع المشاكل ( [148] ) "ويؤكد من خلالها ملائمة دين الإسلام للحياة وعلاجه لمشاكل الفقر والغنى، والمرض والصحة، والحرب والسلم ونحوها، فلما تحدّث السعدي عن مشكلة العلم - مثلًا-، حدد مفهومه قائلًا:"أما مدلول العلم النافع ومسماه الذي دلّ عليه الكتاب والسنة فهو كل علم أوصل إلى المطالب العالية، وأثمر الأمور النافعة، لا فرق بين ما تعلق بالدنيا أو الآخرة، فكل ما هدى إلى السبيل ورقّى العقائد والأخلاق والأعمال فهو من العلم" ( [149] ) .

-لم يكن السعدي مقتصرًا على النقل من كتب ابن تيمية، بل كان متأثرًا بطريقته في الردّ والاستدلال، فعلى سبيل المثال ردّ ابن تيمية على الفلاسفة والمتكلمين، والسعدي ردّ على أفراخ الفلاسفة، وهم الملاحدة الشيوعيون، كما ردّ على أفراخ المتكلمين، وهم العصريون - كما سيأتي بيانه إن شاء الله -.

وإذا كان ابن تيمية يقول:"أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله ( [150] ) "، فإن السعدي يستدل بالمخترعات الحديثه على قدرة الله تعالى وإثبات المعاد، على النقيض مما توهمه الملاحدة أن هذه المخترعات والعلوم دليل على إنكار الخالق وتكذيب الرسل ( [151] ) .

3 -وألّف الشيخ عبدالله بن علي بن يابس ( [152] ) "الرد القويم على ملحد القصيم"ويتكون هذا الكتاب من ثمان وأربعين وأربعمائة صفحة، فكان يسوق النص من كتاب هذه هي الأغلال ثم يتبعه بالرد والنقض، وهي ردود تدل على سعة اطلاع مؤلفها وقوة حجته ..

كما بيّن المؤلف ردّة القصيمي من وجوه متعددة، كما ساق أمثلة من إلحاده المكشوف ومديحه للاستعمار والذندقة، وتهكمه بالإسلام وسخريته بالشريعة ( [153] ) .

وتميّز"الرد القويم"بأن مؤلفه قد صحب القصيمي في مصر أثناء طلبهما العلم في جامع الأزهر، وأقاما معًا في رواق واحد، كما ضمّن كتابه معلومات مشاهدة ووقائع حادثة في بيان زندقة القصيمي، كما أشار الشيخ ابن يابس أن بداية زندقة القصيمي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا من صدور كتاب هذه هي الأغلال ( [154] ) .

وتميّز الكتاب أيضًا بإيراده مواقف بعض العلماء والمفكرين - في مصر - من القصيمي، فساق انتقاد حسين يوسف - زعيم شباب سيدنا محمد r - و أورد نقدًا بليغًا لسيّد قطب تجاه الأغلال سنة 1365هـ حيث وصفه بالنفاق والسفسطة، وبيّن عمالته ودعايته للاستعمار، كما أورد مجادلة الشيخ عبدالعزيز بن راشد للقصيمي ( [155] ) .

4 -وكتب الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري ( [156] ) - رحمه الله - عدة أجوبة في الرد على الملاحدة والاشتراكية، إذ كان على دراية بالمذاهب المعاصرة، ومعرفة بأحوال أمة الإسلام ومخططات أعدائها.

فنظم قصيدة طويلة في الرد على الشاعر القروي النصراني ( [157] ) ، ونظم قصيدة تائية في الردّ على المشككين بالقدر، وكتب الشيخ الدوسري رداّ على القوميين، والاشتراكيين، وجاء هذا الرد في حلقات متعددة نشرت في جريدة القصيم ( [158] ) ، كما ألّف كتاب"الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة"تضمن تقرير مسائل مهمة في الاعتقاد، وتفنيد مذاهب وآراء إلحادية، وحوى تفسيره عدة ردود على الماركسيين، وسائر المذاهب الإلحادية، فساق أجوبة محكمة في الرد على آراء الملاحدة كقولهم بالمادية الجدلية ونظرية دارون وغيرها ( [159] ) ، كما بيّن الشيخ أن هؤلاء الملاحدة الشيوعيين لما تركوا عبادة الله تعالى وجحدوا ربهم عز وجل، اشتغلوا بعبادة البشر، بل أسوأ البشر من أمثال لينين و أضرابه ( [160] ) وكان الشيخ ذا بصيرة نافذه، عزيزًا بدين الله تعالى، ومن تحذيره من حماس بعض المسلمين زمن الانبهار بالقومية والاشتراكية ونحوها إذ أطلقوا هذه المذاهب على دين الله تعالى، فقال:"وفرق عظيم بين تعبيد الله لعباده في سورة الفاتحة، وبين خيالات بعض المسلمين الذين يدفعهم حماسهم للدين إلى نسبة كل شيء مستحدث للإسلام، ففي الوقت الذي طغت فيه كلمة (الديمقراطية) على ألسنة الماديين رأينا من يسمي الإسلام (ديمقراطيًا) ، ثم في الوقت الذي طغت فيه القومية من يكتب عن قومية الإسلام .. والناس لا يجذبهم إلى الإسلام تسميته بهذه المسميات الجديدة .. والقضية لا تكمن وراء تغيير الأسماء، وإنما القضية قضية تطهير للقلب وتحرير للروح من جميع الأغراض النفسية والعلائق الأرضية، وحصر للاتصال بالله تعالى فقط ( [161] ) ".

جـ - العصرانية (عصرانية الإسلام) :

إذا كان المتكلمون الأوائل أرادوا التوفيق بين الأدلة النقلية وبين ما أسموه أدلة عقلية فحرفوا النصوص الشرعية وخالفوا أمورًا معلومة من الدين بالضرورة، فإن العصرانيين في هذا الزمان أرادوا التوفيق بين الدين وبين العلم التجريبي والمخترعات الحديثة، فغلوا في تعظيم العقل، وتأولوا الغيبيات تأويلات فاسدة، وفرّطوا في أحكام الشريعة.

وسنعرض لشيء من جهود علماء الدعوة السلفية بنجد ومواقفهم نحو العصرانيين وآرائهم.

أ - بعث الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع رسالة إلى الشيخ سليمان بن سمحان ( [162] ) 1340هـ تضمنت انتقادًا حادًا لمحمد رشيد رضا في دعوته للتقريب بين أهل السنة والرافضة ( [163] ) ، كما عاب على تلك المدرسة الإصلاحية إنكارهم للنسخ فقال:"وينكرون النسخ في القرآن ويقولون لا ناسخ ولا منسوخ وقد صرّح بذلك صاحب المنار في مناره مرارًا ( [164] ) ".

ب - عني العلامة السعدي بالردّ على العصريين والجواب عن شبهاتهم، ومن ذلك قوله رحمه الله:-"فسّر طائفة من العصريين سجود الملائكة لآدم أن معناه تسخير هذا العالم للآدميين .. ولا يستريب مؤمن بالله واليوم الآخر أن هذا تحريف لكتاب الله، لا فرق بينه وبين تحريف الباطنية والقرامطة .. ( [165] ) ".

وردّ على العصريين الذين تأوّلوا المعجزات تأويلات فاسدة فقال:-"إن بعض أهل العلم العصريين الذين يتظاهرون بنصر الإسلام، والدخول مع هؤلاء الزنادقة في الجدال عنه يريدون باجتهادهم أو اغترارهم أن يطبقوا السنن الإلهية، وأمور الآخرة على ما يعرفه العباد بحواسهم ويدركونه بتجاربهم، فحرّفوا لذلك المعجزات، وأنكروا البينات، ولم يستفيدوا إلا الضرر على أنفسهم وعلى من قرأ كتاباتهم في هذه المباحث، إذ ضعف إيمانهم بالله بتحريفهم لمعجزات الأنبياء تحريفًا يؤول إلى إنكارها .. ولم يحصل ما زعموه من جلب الماديين إلى الهدى والدين، بل زادوهم اغراء في مذاهبهم .. ( [166] ) ""."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت