فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 73

التاريخ: 25/ 11/1427 هـ

بحوث ودراسات

د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

يعرض هذا البحث شيئًا من الجهود التي بذلها علماء الدعوة السلفية بنجد تجاه النوازل الواقعة في مجال الاعتقاد، وحصر البحث هذه النوازل العقدية في ثلاثة أمور، فأما الأول فهو عرض لنوازل في توحيد العبادة من خلال أنموذجين، أحدهما: جهود الشيخ محمد بن عبدالوهاب تجاه النوازل في توحيد العبادة، وأما الآخر فهو جهود علماء الدعوة في الردّ على داود بن جرجيس.

كما تضمن الأمر الأول حديثًا عن نوازل في مسائل الولاء والبراء، حيث أورد الباحث معالم وقواعد مهمة في هذا النازلة.

وأما الأمر الثاني فكان عن جهودهم تجاه نوازل في الحكم والسياسة الشرعية فكشف عن جهود متميزة في السعي إلى الإصلاح والاجتماع، وثبوت الولاية بالطرق الشرعية، وتحذيرهم من القوانين الوضعية وبيان فسادها وأحكامها.

وأما الثالث فمن جهود علماء الدعوة تجاه نوازل المذاهب المعاصرة والأفكار الوافدة سواءً كانت تنصيرًا، أو زندقية والحادًا، أو"عصرنه"، حيث ساق الباحث أجوبة علمية محققة لهؤلاء الإعلام، كما أورد مواقف عملية أمام تلك المذاهب والأفكار.

ثم ختم البحث بأهم النتائج.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: لا تزال جوانب مهمة من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - مجالًا رحبًا لمن أراد البحث والتحقيق، فمع كثرة المؤلفات والرسائل العلمية التي استوعبت وحررت قضايا ومسائل مهمة في شأن هذه الدعوة المباركة، إلا أن جملة من الموضوعات الحية لم تأخذ حقها من البحث، فهي بحاجة إلى تحقيق و تحرير، ومن ذلك جهود علماء هذه الدعوة السلفية تجاه النوازل العقدية، وموقفهم منها، و كيفية معالجتهم تلك الوقائع والأحداث، فأحسب أن هذا الموضوع من الموضوعات الملحة والتي تفتقر إلى تجلية وتعليق، لاسيما في السنوات الأخيرة التي اشتدت فيها ضراوة الهجمة الشرسة على هذه الدعوة، فكثر الاعتراض والشغب.

وأما المقصود بالنوازل فمن خلال اطلاع على أبحاث تعنى بذلك فإن النوازل على وجه العموم - سواء في الفقه أو العقيدة - تطلق على المسائل الحادثة الطارئة، والوقائع المستجدة التي تحل بالناس وتستدعي حكمًا شرعيًا.

ولقد اكتنف الجزيرة العربية كم هائل من الأحداث التاريخية والتغيرات السياسية، وأنماط من الشبهات العارضة والإشكالات الحادثة التي توجب رؤية وحكمًا شرعيًا تجاه تلك النوازل والوقائع ( [1] ) .

وإن الناظر في تراث علماء تجد وتراجمهم يلحظ ما عليه أولئك الأعلام من تحقيق ورسوخ في العلم، وسلامة في الفهم وفقه لتلك الوقائع، فقد جمعوا بين التصور الصحيح لتلك الحوادث، وبين فقه حكم الله تعالى الملائم لتلك الوقائع، وتنزيله عليها.

ومن خلال استقراء أهم النوازل العقدية التي عني بها أولئك العلماء، يمكن حصرها في الأمور التالية:-

1 -نوازل في توحيد العبادة ومسائل الولاء والبراء.

2 -نوازل في الحكم والسياسة الشرعية.

3 -نوازل في المذاهب المعاصرة والأفكار الوافدة.

وسيكون الحديث عنها على النحو الآتي:

1 -نوازل في توحيد العبادة ومسائل الولاء والبراء

لما كان هذا الموضوع ظاهرًا معلومًا - في الجملة - عند الكثيرين، نظرًا لاشتهاره ووفرة مادته وكثرة المؤلفات عنه، ( [2] ) ، فسيكون الحديث عنه بشيء من الاختصار مع التركيز على ما يحتاج إلى تجلية، ويتسق مع عنوان البحث.

وسأكتفي بهذين المثالين التاليين: -

فأما الأول فلمحة موجزة عن جهود الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - تجاه النوازل في توحيد العبادة.

-لقد أهمّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب ( [3] ) أمر هذه الأمة، وما تلبّست به من شرك ونقض لكلمة التوحيد"فدعا الناس أن يتركوا عبادة أرباب القبور والطواغيت وعبادة الأشجار والأحجار .. وأظهر الله هذا الدين في نجد والبادية، حتى لم يكن فيهم من ينازع ويجادل؛ لأن الله أبطل كل شبهة، بما أبداه هذا الشيخ ببيانه ومصنفاته" ( [4] ) .

وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب ( [5] ) - رحمه الله:

"وفي حدود القرن العاشر وما بعده لا يعرف أحد من العلماء تكلم بالتوحيد ودعا إليه، وعرف هذه الشرك ونهى عنه، حتى أظهر الله هذا الشيخ محمد بن عبدالوهاب في آخر هذه الأمة، فبيّن حقيقة التوحيد، وأنواعه، فأنكر كل بدعة بأدلة الكتاب والسنة، وأحيا السنن، فأخرج الله به الكثير من الظلمات إلى النور، فتركوا عبادة الأشجار والطواغيت والقبور، والتزموا ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله r" ( [6] ) .

-كان الشيخ يواجه مجتمعًا ذهل أهله عن توحيد العبادة، فجهلوه وأهملوه ولم يرفعوا بذلك رأسًا، بل كان علماء بلده لا يعرفون معنى لا إله إلا الله فضلًا عن عوامهم، وأما عامة البادية فقد تلبّسوا بنواقض كثيرة ( [7] ) .

لقد قارف أهل عصره الشرك بالله تعالى، فاتخذوا الوسائط والشفعاء، وظنوا أن الاقرار بربوبية الله تعالى كاف في تحقيق التوحيد، ولذا بذل الشيخ قصارى جهده في بيان أهمية التوحيد ووجوبه على كل مكلف فقال: -"والحاصل أن مسائل التوحيد ليست من المسائل التي هي من فن المطاوعة ( [8] ) خاصة، بل البحث عنها أو تعلمها فرض لازم على العالم، والجاهل، والمحرم والمحل، والذكر والأنثى" ( [9] )

كما بيّن أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله تجمع الدين كله، وقرر في عدة مواضع - أن الاقرار بالربوبية ليس كافيًا، ولا يتحقق به الإسلام، وإنما يُدخِل الرجلَ في الإسلام توحيدُ الألوهية ( [10] ) .

-يؤكد الشيخ على تحقيق هذا التوحيد عند حلول النوازل والوقائع، وأن الكثير قد يعلم هذا التوحيد، ولكن يغيب عنه ذلك عند ورود الوقائع والاشكالات، فقال الشيخ:-"إن كثيرًا ممن واجهناه وقرأ علينا يتعلم هذا ويعرفه بلسانه، فإذا وقعت المسألة لم يعرفها، بل إذا قال بعض المشركين نحن نعرف أن رسول الله لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وأن النافع الضار هو الله، يقول: جزاك الله خيرًا، ويظن أن هذا هو التوحيد، ونحن نعلّمه أكثر من سنة أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركين ( [11] ) ".

-عني الشيخ بتعريف وبيان توحيد العبادة، كما بيّن معنى الشرك وأنواعه، كما هو مبسوط في أول و أهم مؤلفاته - كتاب التوحيد -، فموضوع هذا الكتاب - كما يقول تلميذه الشيخ عبدالرحمن بن حسن: -"في بيان ما بعث الله به رسله من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، وأو يُنافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرُب من ذلك أو يوصل إليه ( [12] ) "

ويقول أيضا:-""

وأما تعريف الشرك وأنواعه فقد عرّفه شيخنا الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد، فذكر أنواعه وأقسامه، وجليه وخفيه، وأكبره وأصغره، خصوصًا الشرك في العبادة، مما عساك لا تجده مجموعًا في غيره من الكتب المطولات، فإن الإيمان النافع لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقاًَ" ( [13] ) ."

-ولما كان الشيخ جامعًا بين الفقه في دين الله تعالى، والمعرفة بواقع أهل عصره وحالهم، لذا عرّف توحيد العبادة بما يفهمه المخاطبون، فالشيخ يعالج نازلة واقعة، وهي تسمية توحيد الإلهية بأسماء متداولة عند العامة كالسيّد، والذي فيه سرّ .. ونحوهما، ومن ثم سعى إلى تقريب معنى التوحيد وتفهيمه، حسب واقع المخاطبين وحالهم كما في تقريراته الآتية:

يقول رحمه الله"وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواءً كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده .."

وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ"السيد"فأتاهم النبي r يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله ( [14] ) ""

ويقول - في موضع آخر:-"وأما قولي: أن الإله الذي فيه السر، فمعلوم أن اللغات تختلف، فالمعبود عند العرب، والإله الذي يسمونه عوامنا"السيّد"و"الشيخ"و"الذي فيه السرّ". والعرب الأولون يسمون الألوهية ما يسميه عوامُنا"السر"؛ لأن السرّ عندهم هو القدرة على النفع والضر، وكونه يصلح أن يُدعى ويرجى، ويخاف ويتوكل عليه ( [15] ) "

ويقول - في موضع ثالث:"فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السرّ والولاية، والإله معناه الذي فيه السرّ، وهو الذي يسمونه الفقراء الشيخ، ويسمونه العامة السيّد وأشباه ذلك، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلتجيئ إليهم ويرجوهم، ويستغيث بهم يجعلهم واسطة بينه وبين الله ( [16] ) ."

-وإذا كان كتاب التوحيد في تقرير التوحيد وبيانه، وذكر ما ينافيه من الشرك وذرائعه، فإن رسالة كشف الشبهات، تعنى بإزالة الاعتراضات الواردة والشبهات الواقعة في توحيد العبادة، فقد ساق الشيخ - رحمه الله - قرابة ثلاث عشرة شبهة، ثم أتبع كل شبهة ... محكم وجيز.

وأما المثال الثاني من جهود علماء الدعوة تجاه نوازل في توحيد العبادة، فجهودهم في الرد على دواد بن جرجيس ( [17] ) ، وهي جهود تسترعي النظر والتحقيق، حيث أجابوا عن شبهات وإشكالات سوّدها داود، حيث كتب عدة مصنفات ضمّنها جواز الاستغاثة بالأولياء وسؤالهم وتسويغ الاستمداد من الأموات، وبسط حججه في ذلك، فانبرى أئمة الدعوة في الردّ عليه، فكتب الشيخ عبدالرحمن بن حسن"القول الفصل النفيس في الردّ على المفتري داود بن جرجيس"، وسطّر ابنه العلامة عبداللطيف ( [18] ) مِنهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، و تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس "، وألّف الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبو بطين ( [19] ) ، الانتصار لحرب الله الموحدين"و"تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس " ( [20] ) .

ولعل سبب اشتغال أولئك الأعلام بهذه النازلة - نازلة شبهات داود واعتراضاته - عدة أمور منها:-

1 -أن داود بن جرجيس قدم نجدًا وطلب العلم على مفتي الديار النجدية -آنذاك- الشيخ عبدالله أبي بطين، وأجازه الشيخ في الفتيا في مذهب الإمام أحمد، ( [21] ) ، فلا غرابة أن ينخدع به أقوام فيحتفون به ويكرمونه كما وقع من بعض بلدان نجد ( [22] ) .

2 -أن المذكور يجاهر بانحراف وابتداعه في مجامع الناس، وكما قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن:"وقد حدثني من يقبل حديثه أنه سمع هذا العراقي بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - يوم قدوم الحاج بقول في مجمع من الناس، إنما الرجل من يقول: حدثني سري عن ربي، لا من يقول حدثنا فلان عن فلان" ( [23] ) .

3 -أن لدواد أثرًا على بعض المنتسبين للعلم من أهل نجد، فالشيخ عثمان بن منصور ( [24] ) قد أظهر تعظيمه لدواد وأنشأ قصيدة في مدحه ( [25] ) .

4 -كان لدواد بن جرجيس مشاركات سياسية وعسكرية ضد أتباع الدعوة، وذلك زمن الخلاف بين أبناء فيصل بن تركي ( [26] ) ، حيث غزت عساكر الأتراك جزيرة العرب، وكان في مقدمتهم داود بن جرجيس ( [27] ) .

5 -ألّف داود كتابًا سماه"صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيّم في تبرئه ابن تيمية وابن القيم"وضمّنه نقولًا متعددة لابن تيمية وابن القيّم حرّفهما وغلط في فهمهما، من أجل أن يقرر جواز الاستغاثة بالموتى، كما عقد بابًا مستقلًا في الأدلة على جواز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين والنذر لهم.

وله كتاب آخر سماه"المنحة الوهبية في ردّ الوهابية"قرر فيه أن للموتى حياة في قبورهم كحياتهم في الدنيا، وأن لهم شعور وإحساس كالأحياء، واحتج لذلك بمختلف الدعاوى، ليتوصل إلى تسويغ دعاء الأموات والاستشفاع بهم، ولما قرر العلامة نعمان الآلوسي ( [28] ) عدم سماع الأموات، بيّن ما في"المنحة الوهابية"من مآخذ فقال:"إذا علمتَ ما مضى من النقول الصحيحة، و أقوال أهل المذهب الحنفي وغيرهم الرجيحة، تبيّن لك ما في الرسالة المسماة بـ"المنحة الوهابية" ( [29] ) من الخبط والخلط، والكذب و سوء الفهم والتلبيس، وإطالة اللسان على القائلين بعدم السماع .. ( [30] ) ".

وذكر محمود شكري الآلوسي ( [31] ) أن الكثير من الأفاضل منع من النظر في كتبه ومطالعتها؛ لأنه حرّف الكلم عن مواضعه ( [32] ) .

وإذا تبيّن شناعة كتب داود بن جرجيس وما يدعوا إليه، فلا غرو أن يهتم علماء الدعوة بالرد عليه والجواب عن شبهاته.

ومن خلال تبتع واطلاع على ما كتبه أولئك العلماء في الردّ على داود، يمكن أن نستخلص جملة من الأجوبة المهمة والقواعد النافعة تجاه تلك النازلة:

1 -العناية بأهمية معرفة حدود ما أنزل الله تعالى على رسوله r كالعبادة مثلًا، حيث قال الشيخ عبدالله أبو بطين:-"ومما يتعيّن الاعتناء به: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لأن الله سبحانه ذمّ من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله .. ففرض على المكلف معرفة حدّ العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله لأجلها، ومعرفةُ حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر ( [33] ) ".

وكما قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن:-"وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة، مثال ذلك: أن الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والجهل بالحقيقتين أو احداهما أوقع كثيرًا من الناس في الشرك وعبادة الصالحين" ( [34] ) .

2 -تقرير الوسطية تجاه الأسباب - كما هي طريقة أهل السنة - بين من غلا فيها وبين من عطّلها، فقد أثبت هؤلاء العلماء الأسباب سواء كانت شرعية أو قدرية دون الاعتماد عليها.

فقد قال الشيخ أبو بطين:"ونحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها، ولكن الله سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات، ولا يلزم من ذلك أن نعتمد على الأسباب فضلًا عن أن نسألها ونرغب إليها، وهي مخلوقة، بل يتعيّن على العباد أن يعتمدوا على خالق الأسباب .. ( [35] ) "

والمردود عليه لبّس على الناس، فأجاز الطلب من غير الله، -كالأموات والغائبين من باب التسبب - فجعل دعاء الأموات وسؤالهم سببًا في حصول المطلوب ودفع المرهوب، مع أنّ هذا الطلب شرك ظاهر لم يأذن به الله تعالى ( [36] ) .

3 -أن التوحيد الذي من أجله أُرسلت الرسل وأنزلت الكتب هو تحقيق توحيد العبادة، فالإقرار بأن الله تعالى ربّ كل شيء وخالقه ليس كافيًا، وقد سلك داود طريقة أسلافه من متصوفة جعلوا شهود توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، ولذا جوّز داود دعاء الأموات، بحجة أن هذا من باب الوسائل لا الاستقلال، ولا يخفى أن مشركي العرب إنما عبدوا آلهتهم من باب الوسائل والتشفع، ولم يدّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله تعالى ( [37] ) .

4 -العبرة بالحقائق، فتغيير الأسماء لا يغيّر من الحقيقة شيئًا، حيث عمد داود إلى تجويز الطلب من الأموات، بدعوى أن ذلك نداء وليس دعاءً، أو أن ذلك توسل وليس استغاثة، ولذا قال الشيخ أبو بطين:"من جعل شيئًا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلهًا، وإن فرّ من تسميته معبودًا أو إلهًا، وسمّى ذلك توسلًا وتشفعًا أو التجاء ونحو ذلك، فالمشرك مشركٌ شاء أم أبى."

فتغيير الاسم لا يغيّر حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه ( [38] ) ""

5 -الالتزام في الردّ على داود بمنهج علمي أصيل مبني على المطالبة بالنقل الصحيح، والدعوى القائمة على الدليل، فإن كنتَ ناقلًا فالصحة أو مدعيًا فالدليل، فـ"العلم شيئان: نقل مصدق وإما بحث محقق، ما سوى ذلك فهذيان مسروق ( [39] ) "وكان دواد على النقيض من ذلك، فقد ساق نقولًا كثيرة اعتراها البتر والتحريف، وادعى دعاوى لا دليل عليها.

يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن عن نقول داود:"وغالبها قد حرّفه، وألحد فيه وتصرف في نقله بزيادة ونقصان، وتقطيع للعبارات" ( [40] ) .

وقال - في موطن آخر:-"ومن عجيب جهل العراقي أنه يحتج على خصمه بنفس الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلًا ( [41] ) ".

6 -أن مجانبة الحق والصواب توجب التناقض والاضطراب، والتسوية بين المتفرقات والتفريق بين المتماثلات، كما هو حال ابن جرجيس، فقد تناقض حيث زعم أن طلب المخلوق من المخلوق نداء وليس دعاءً، لكن تناقض فسمّى هذا النداء دعاء في عدة مواطن ( [42] ) .

وإضافة إلى ذلك فلا وجه للتفريق بين الدعاء والنداء"فأيّ فرق بين ما إذا سأل العبدُ ربه حاجةً، وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب؟ بان الأول يسمى دعاء والثاني نداء" ( [43] )

وادعى داود أن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة، وإذا جاز سؤال الحي فالميت كذلك، وهذا مردود بقوله تعالى، (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلاَ الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) (سورة فاطر:22) . ففرّق بين الأحياء والأموات.

يقول الشيخ أبو بطين:-"ذو الفطرة السليمة وإن كان جاهلًا يفرق بين الطلب من الحي الحاضر مما في يده، وبين الطلب من الميت أو الغائب، ولا يسوى بين الحي والميت إلا من اجتالته الشياطين عن الفطرة التي فطر الله [الناس ([44] ) ] عليها، أو إنسان أعماه الهوى والتقليد" ( [45] ) .

نوازل في مسائل الولاء والبراء:-

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن جهودهم تجاه النوازل المتعلقة بموضوع الولاء والبراء من خلال تتبع تقريراتهم العلمية ومواقفهم العملية، فيمكن أن نستخلص جملة من المعالم المهمة على النحو التالي:-

1 -لم يقتصر علماء الدعوة على تنظير وتحرير مسائل الولاء والبراء، بل عمدوا إلى تطبيقها وتنزيلها على الواقع، واتخاذ مواقف تجاه طوائف ودول وأشخاص كما هو مبسوط في مؤلفاتهم.

فعلى سبيل المثال نجد أن العلامة عبدالرحمن السعدي ( [46] ) - رحمه الله - يقرر في فتاويه معنى دار الكفر، ثم ينزّل هذا الحكم على دول قائمة كانت محكومة - آنذاك - بالاستعمار البريطاني ( [47] ) .

وعندما يعمد بعض علماء الدعوة إلى تكفير العساكر التركية - مثلًا - فتقريرهم لمسائل"التكفير"مبني على دليل شرعي ومنهج سنّي، فإن كان تمت تعقيب أو إشكال في ذلك، فإنما هو في تحقيق المناط وتنزيل الأحكام على الوقائع والأحداث، وكما قال ابن القيّم:-

"إن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأوّلًا وغضبًا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفرُ بذلك، بل لا يأثم به، بل يُثاب على نيته وقصده، هذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفِّرون ويبدِّعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفّروه وبدّعوه ( [48] ) "

ويقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن:-"فلو قدر أن رجلًا من المسلمين قال في أناس قد تلطخوا بأمور، قد نص العلماء على أنها كفر، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة، وغيرةً لله وكراهة لما يكره الله من تلك الأعمال، فغير جائز لأحد أن يقول في حقهم من كفّر مسلمًا فهو الكافر" ( [49] ) .

لاسيما وأن أفهام العلماء متفاوتة في مراعاة عوارض الأهلية من جهل وتأوّل وخطأ ونحوها، فقد يعذر أحدهم بالجهل - مثلًا - ما لا يعذر العالم الآخر سواءً كان ذلك في مسألة من مسائل الاعتقاد، أو في حق شخص، أو حال أو زمان.

2 -أصابت نجدًا وما حولها - بعد وفاة الإمام فيصل بن تركي - حروب وفتن، فلجأ بعضهم إلى أعداء الدعوة، فتدخل العدو الخارجي، فوقع اللبس والخلط بين مسألة مظاهرة الكفار ضد المسلمين وبين مسألة الاستعانة بالكفار، فجوّز بعضهم تلك المظاهرة ظنًا منه أنها مجرد استعانة بالكفار، وقد حرّر علماء الدعوة الفرق بين المسألتين، فتولي الكفار ومظاهرتهم و تمكينهم من دار الإسلام ردّة وخروج عن الملة؛ لقوله تعالى ... (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (سورة المائدة:51) ، وأما الاستعانة بهم فهي مسألة من مسائل الاجتهاد المتنازع فيها والتي يسوغ فيها الخلاف.

يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن في شأن هذه النازلة:-

"والقول بأنهم جاؤوا لنصر إمام أو دين، قول يدل على ضعف دين قائله، وعدم بصيرته وضعف عقله، وانقياده لداعي الهوى، وعدم معرفته بالدول والناس .. وأعجب من هذا نسبة جوازه إلى أهل العلم، والجزم بإباحة ذلك، والصورة المختلف فيها ( [50] ) مع ضعف القول بجوازها وإباحتها، كما هو مبسوط في حديث"إنا لا نستعين بمشرك"هي صورة غير هذه، ومسألة أخرى."

وهذه الصورة حقيقتها: تولية وتخلية وخيانة ظاهرة" ( [51] ) ."

3 -بيّن علماء الدعوة الفرق بين عداوة الكافرين وبين البرّ والاقساط معهم، فبغضهم وعداوتهم لا تنافي العدل والبر معهم.

ومن ذلك ما سطّره الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن قائلًا:"أما قوله تعالى) لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ (( سورة الممتحنة:8) ، فالذي يظهر أن هذا إخبار من الله جل ذكره لعباده المؤمنين بأنه لم ينههم عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر من أهل الملل إذا لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، إذا العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعًا، ولذا علل هذا الحكم بقوله تعالى) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (".

-إلى أن قال - ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي ( [52] ) أنه لما ذكر تعالى نهيه عباده المؤمنين عن اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، ثم ذكر حال خليله ومن آمن معه في قولهم وبراءتهم من قولهم المشركين حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة، خيف أن يتولاهم ويظن أن البرّ والعدل داخلان في ضمن ما نهى عنه من الموالاة، وأمره أن يدفع هذا بقوله تعالى) لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ (( [53] ) "."

كما بيّن أئمة الدعوة جواز التعامل مع الكفار في البيع والشراء ونحوه ( [54] ) ، وجواز السفر إلى ديار الكفار من أجل التجارة بشرط القدرة على إظهار الدين.

وكما قال العلامة السعدي:-"وأما السفر إلى هذه الأقطار للاتجار مع حفظ العبد لدينه وقدرته على إظهاره، فلا مانع من ذلك، والمسلمون مازالوا يسافرون للتجارة لبلاد الكفر في وقت الصحابة رضي الله عنهم، وقد ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله وذكروا ما يدل عليه ( [55] ) ".

4 -مما يجدر ذكره في هذا المجال ما تميّز به علماء الدعوة من تحرير وتحقيق مسائل الولاء والبراء، وفي أحلك الظروف، وإذا كان الناس تغيب عنهم معاني القرآن عند النوازل والحوادث ( [56] ) ، فإن هؤلاء العلماء لم يكونوا كذلك، بل قرروا عقيدة الولاء والبراء بكل رسوخ ووضوح، ونورد مثالين على ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت