التاريخ: 6/ 9/1431 هـ
مقالات علمية
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
يقول الله - تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]
ولعل هذه المقالة الآتية عن شخصية"الجهم بن صفوان"تحقق شيئًا من تلك"الاستبانة"لسبيل المجرمين الضالين، وأمر آخر دفعني إلى الكتابة عن الجهم، وهو أن هذا"الجهم"الذي وصفه أحد أسلافنا - رحمة الله عليهم - وهو الذهبي - فقال عنه: (أسُّ الضلالة ورأس الجهمية [1] وأنه زرع شرًا عظيمًا) [2] فمع ما تضمنته مقالات الجهم من كفر وزندقة وإلحاد، وما خلّفه من فتنة وفساد وشر، مع هذا كله فإننا نجد من بعض الباحثين من يدافع عنه، ويحاول أن يوجد للجهم مسوغًا ومبررًا في انحرافه وإفساده، ويظهر - جليًا - تحامل هؤلاء الباحثين، بل طعنهم على أئمة السلف الصالح وأهل الحديث ممن تصدوا للذود عن العقيدة الصحيحة والذبّ عنها.
وبين يدي ثلاث كتب تدافع عن الجهم وتتعاطف معه:
فأما أولها فهو"تاريخ الجهمية والمعتزلة"لجمال الدين القاسمي [3] والذي عُرف بعقيدة صحيحة واستقامة ظاهرة وهو يدافع عن الجهم باسم الموضوعية والإنصاف! - كما سيأتي إن شاء الله - ولكن لكل جواد له كبوة و كل عالم له هفوة، وعفا الله عن القاسمي.
فأما الكتاب الآخر هو"نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام"الجزء الأول للدكتور علي سامي النشار حيث دافع النشار عن الجهم وشيخه الجعد بن درهم، ثم تحامل وطعن في علماء أهل الحديث.
وأما الكتاب الثالث فهو"الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي"لخالد العلي أحد الباحثين من بلاد العراق، حيث نافح عن الجهم متأثرًا بمن سبق.
وابتداءً أنقل لك أخي القارئ نبذة عن الجهم، فأقول مستعينًا بالله: هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي مولاهم، السمرقندي (ت 128هـ) أما شيوخه فقد قال قتيبة:"بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم" [4] ويقول مقاتل بن سليمان"إن جهمًا والله ما حج هذا البيت ولا جالس العلماء" [5] ولذا قال الذهبي"ما علمته روى شيئًا" [6]
ومن ثم تلقى الجهم التعطيل والإلحاد في دين الله من هذا الجعد، وكان الجعد مؤدبًا لمروان بن محمد - آخر خلفاء بني أمية - وكما يقول ابن تيمية"كان انقراض دولة بني أمية بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها" [7] ويقول أيضًا عن مقالة الجعد في التعطيل"أصل المقالة إنما مأخوذة عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصائبين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه" [8]
أما عن مؤلفاته فلا تذكر المصادر - التي بين أيدينا شيئًا من مؤلفاته، غير أن عبد القادر الجيلاني في"الغنية"ذكر أن للجهم كتابًا في نفي الصفات [9] وعند ما نتحدث عن أحوال الجهم وبقية حياته وآرائه، فإننا نجد أن علماء السلف ذكروا طرفًا كثيرًا من أحواله - خاصة كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد، وخلق أفعال العباد للإمام البخاري، والعلو للذهبي وغيرها - وسنذكر بعضًا من تلك الأخبار.
"قال ضمرة عن ابن شوذب - ترك الجهم الصلاة أربعين يومًا على وجه الشك" [10] وسبق أن ذكرنا قول مقاتل بأن جهمًا لم يحج البيت.
"وقال أبو نعيم البلخي: - كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم ثم قطعه وجفاه، فقيل له: لم جفوته؟ قال جاء منه ما لا يحتمل، قرأت يومًا آية كذا، فقال: ما كان أظرف محمدًا فاحتملتها، ثم قرأ سورة طه، فلما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ."
قال: أما ولله لو وجدت سبيلًا إلى حكها لحككتها من المصحف، فاحتملتها، ثم قرأ سورة القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ثم رمى المصحف من حجره برجليه، فوثبت عليه" [11] "
وكما ترى - أخي القارئ - من خلال هذه الرواية الموثقة ما كان عليه الجهم من اعتقاد خبيث، وكفر ظاهر، فمرة تراه يزعم أن هذا القرآن من قول محمد صلى الله عليه وسلم، ومرة أخرى يتمنى أن يجد طريقًا إلى حذف تلك الآية التي تضمنت إثبات صفة الاستواء لله تعالى، ومرة ثالثة يصل به التمادي في الكفر إلى امتهان القرآن ورميه من حجره برجليه!!
وعلى كل فإن الجهم - فعلًا - هو أسُّ الضلال ومستنقع إلحاد وكفر، فهو معطل - من غلاة المعطلة - في باب الصفات، وقائل بالجبر وأن الشخص كالريشة في مهب الريح لا فعل له ولا إرادة، وقائل بفناء الجنة والنار، وهو الذي زعم أن الإيمان هو المعرفة فقط فليس عمل القلب ولا قول اللسان ولا فعل الجوارح داخلًا ضمن مسمى الإيمان كما زعم أن الله - تعالى - في الأمكنة كلها [12] إلى غير ذلك من البدع الكفرية والأقوال الإلحادية.
يقول ابن تيمية: - رحمه الله -"وحقيقة قول الجهم هو قول فرعون وهو جحد الخالق وتعطيل كلامه ودينه" [13]
ويقول أيضًا:"كان الجهم (مجبرًا) يقول: إن العبد لا يفعل شيئًا" [14]
ويقول في موضع ثالث:"كان هو وأتباعه ينكرون أن يكون لله حكمة في خلقه وأمره، وأن يكون له رحمة ويقولون: إنما فعل بمحض مشيئته لا رحمة معها، و حكى عنه أنه كان ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين وأنه كان يخرج إلى الجذمي فينظر إليهم ويقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا بهؤلاء" [15]
وقد وقع للجهم مناظرة معلومة مع السُمنية [16] نذكرها لك أخي القارئ - كما جاءت في الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد والعلو للذهبي، يقول الإمام أحمد - رحمه الله:"كان ممن بلغنا من أمر الجهم عدو الله، أنه كان من أهل خراسان، من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله - تعالى - فلقي أناسًا من المشركين يقال لهم السُمنية فعرفوا الجهم، فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له:- ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم، فقالوا له فهل رأيت إلهك؟ قال: لا، قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا: قالوا أشممت له رائحة؟ قال: لا قالوا فوجدت له حسًا؟ قال: لا، قالوا فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا، ثم استدرك الجهم حجة مثل حجة زنادقة النصارى فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم، فقال، هل رأيت روحك؟ قال: لا، قال فسمعت كلامه؟ قال: لا قال: فوجدت له حسًا؟ قال: لا، قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان [17] وقد أورد الذهبي هذه القصة مختصرة، وأن الجهم ذكر للسُمنية أن الله هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء [18] تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا."
ولنا مع هذه القصة وقفة، فكما تشاهد - أخي القارئ أن وقوع الجهم في هذا التعطيل لأسماء الله وصفاته له أسباب يمكن تتبعها من تلك القصة وغيرها.
فالجهم لم يجالس العلماء ولم يرو شيئًا من الآثار - كما سبق ذكره - مع أنه عاش في زمان التابعين، حيث تكثر حلق العلم العامرة، ويتوافر العلماء الربانيون، ومن ثم كان قلبه قابلًا لأي باطل أو شبهة.
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
"إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر، ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكًا، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة" [19] .
ومن ثم فأوصيك أخي القارئ ونفسي بالاهتمام الجاد في تحصيل العلم الشرعي النافع، والحرص على مجالسة أهل العلم الصادقين.
وسبب آخر أوقع الجهم في هذا التعطيل وهو أنه صاحب جدل وخصومة، وحيث كان فصيح اللسان وبسبب جدله وخصومته، وقع في الشك والارتياب، وفقد اليقين والانقياد، وكم نحن بحاجة إلى ترسيخ الإيمان في نفوسنا، والتسليم للنصوص الشرعية بكل انشراح صدر واطمئنان نفس، دون أن يسبق هذا التسليم مقدمات أو مقررات سابقة.
يقول أحد السلف:"إن الإيمان إذا سكن القلب قبل الاحتجاج لم يخرجه الاحتجاج، وإذا سكن الحجاج قبل الإيمان كان متنقلا، متى حاجه من هو أحج منه" [20] ويقول عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -"من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل" [21] وعن أبي الزناد عن أبيه:"لا يقيمون على أمر وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل إلى أمر سواه، فهم كل يوم في شبهة جديدة ودين وضلال" [22] .
وصدق رسول الله صلى الله عليه القائل"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل"رواه أحمد وغيره [23] .
وسبب ثالث أوقع الجهم - وكذا غيره من المبتدعة - في التعطيل وهو اتباع المتشابه، يقول الإمام أحمد"الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث، فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرًا كثيرًا [24] ."
يقول الله _تعالى _: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران: من الآية7) "فأما أهل الزيغ يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، فهو يطلبون به أهواءهم لحصول الفتنة، فليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر حتى يكون هواه تحت حكمه، بل نظر من حكم بالهوى، ثم أتى الدليل كالشاهد له" [25] .
وسبب رابع جعل الجهم يتردى في هذا التعطيل، وهو"ردة الفعل"! إن مقالة جهم في التعطيل جاءت كرد فعل لمقالة مقاتل بن سليمان - المفسر - في التشبيه والتمثيل، يقول أبو حنيفة - رحمه الله -"أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال إنه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل - في التشبيه والتمثيل حتى جعله مثل خلقه" [26] وقد التقى الجهم بمقاتل بن سليمان في بلخ، وحصل بينهما خصومات واختلاف، حتى نفي الجهم إلى ترمذ.
وكم وقعت ردود الفعل - لانحراف ما - من الإفساد والتبديل للمعاني الصحيحة، إن الجهم استحضر أمامه انحرافًا معينًا وهو التمثيل والتشبيه، واستغرق في دفعه حتى آل به الأمر إلى التعطيل، وهكذا نشاهد أن كثيرًا من الانحرافات السائدة الآن ومن قبل، إن من أسبابها أنها ردود أفعال لانحراف ما، فبدعة الإرجاء"رد فعل"لبدعة الخوارج، وبدعة الجير رد فعل لبدعة خلق البعد لفعله، وهكذا.
يقول سيد قطب - رحمه الله تعالى:"إننا لا نستحضر أمامنا انحرافًا معينًا من انحرافات الفكر الإسلامي، أو الواقع الإسلامي، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كل، بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا فيما نبذله من جهد في تقرير خصائص التصور الإسلامي ومقولاته، إنما نحاول تقرير حقائق هذا التصور - في ذاتها - كما جاء الوحي."
ذلك أن استحضار انحراف معين، أو نقص معين، والاستغراق في دفعه، وصياغة حقائق التصور الإسلامي للرد عليه، منهج شديد الخطر، وله معقباته، في إنشاء انحراف جديد في التصور الإسلامي لدفع انحراف قديم والانحراف انحراف على كل حال". [27] "
وعلى كل فإن الجهم لم يلبث أن قُتل حيث كان مع الحارث بن سريج الذي خرج على دولة بني أمية، وقد قتله سَلمُ بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار، وذلك سنة 128هـ.
ولو تحدثنا عن موقف السلف من فرقة الجهمية لطال بنا الحديث. [28]
ولكن نذكر قول اثنين من أئمة السلف فيهم، يقول عبد الله بن المبارك - رحمه الله:"الجهمية كفار، ومن يشك في كفر الجهمية؟ ثم يقول: إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية". [29]
ويقول الإمام البخاري - رحمه الله -"نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم" [30] بعد هذا العرض لحياة الجهم بن صفوان، أنقل لك أخي القارئ شيئًا مما قاله المدافعون عن الجهم، أو ممن افتعلوا مبررات ومسوغات لانحراف الجهم وزندقته.
فيذكر القاسمي - عفا الله عنه - أن"الجهمية فرقة من المسلمين". [31]
ويصف الجهم بالحرص على إقامة أحكام الكتاب والسنة!! [32] ويقول القاسمي"وكان الجهم داعية للكتاب والسنة، ناقمًا على من انحرف عنهما، مجتهدًا في أبواب من مسائل الصفات" [33] ويحاول القاسمي التقريب ورفع الخلاف بين الجهم و مخالفيه [34] ويعرّف القاسمي القول بالجبر الذين اشتهر به الجهم - بعبارة"موهمة"فيقول بأنه:"إسناد فعل العبد إلى الله". [35]
أخي القارئ - قارن كلام القاسمي بكلام الإمام البخاري وابن المبارك، ولا أدري كيف غاب عن القاسمي أقوال السلف الصالح في بيان حال الجهم؟ ألم يطلع على قول عثمان بن سعيد الدارمي - رحمه الله - عن الجهمية عند ما قال:"ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور أو أثر مشهور وكفر مشهور" [36] ويقول أيضًا"الزنادقة والجهمية أمرهما واحد، ويرجعان إلى معنى واحد ومراد واحد". [37]
وكيف بوصف الجهم بأنه كان داعية للكتاب والسنة، وهو أجهل من حمار أهله، فقد قال بخلق القرآن، وامتهن كتاب الله، وكيف يكون داعية من لا شيوخ له ولا علم عنده - كما نقل ذلك الثقات - ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال عليها العدة، فخالف كتاب الله بجهله، قال الله سبحانه: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} (الأحزاب: من الآية49) [38] .
وأما"الجبر"الذي اقترن بالجهم فهو دعوى الجهم بأن العبد مجبور على فعله كالريشة في مهب الريح لا اختيار له ولا مشيئة، وإنما هي مشية الله المحضة، فلا حكمة ولا تعليل - كما سبق ذكره - ويزعم أن فعل العبد هي عين فعل الله تعالى.
ومن الغريب جدًا أننا نجد القاسمي يجعل هذا التبرير موضوعيةً وإنصافًا، يقول القاسمي:"وبالجملة فلا بد من السند في قبول ما يعزى ويروى إلى تلك الفرقة، فإما عن أسفارها أو عن ثقة أثر عنها، وأما رمي فرقة برأي ما بدعوى أنه قيل عنها، أو يقال، فمما لا يقام له وزن في الصحة والاعتقاد" [39] .
وهذا حق، وكلام جميل يجب أن نتمثل به، ونجعله نهجًا في تقويم الأفراد والمجتمعات. والله - تعالى - يقول: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: من الآية8) ولكن الغريب فعلًا كيف يخفى على القاسمي الكم الهائل من أقوال السلف والمروية بالأسانيد الصحيحة عن حال هذه الفرقة (الجهمية) ومؤسسها؟!
ويا سبحان الله! فنحن نرى القاسمي يناقض كلامه السابق بنفسه، فيروي قصة مناظرة الجهم للسمنية من خلال نقله عن الرد على الزنادقة للإمام أحمد، ويحذف القاسمي ما ذكره الإمام أحمد بأن الجهم ترك الصلاة أربعين يومًا وكل ذلك بدعوى الاختصار! فأين التوثيق والإنصاف؟ بل نجد القاسمي يعلق على هذه المناظرة - التي كانت سببًا في ضلال الجهم وزندقته كما مر بنا - فيقول:"هذا ما حكاه الإمام أحمد في الرد على الجهمية أثرناه باختصار ووقوفًا على موضع الشاهد من فطنة جهم وبلاغته في إفحامه خصمه" [40]
وبئس هذا الذكاء الذي أورد صاحبه المهالك، وما حال الجهم ومن سار على نهجه إلا أنهم أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً، وأوتوا علومًا ولم يؤتوا فهومًا، وأوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء.
ويستطرد القاسمي - في موضع آخر - في الحديث عن الجعد بن درهم. [41]
شيخ الجهم فينقل خليطًا من الروايات في الطعن في خالد بن عبد الله القسري [42] - قاتل الجعد - وأن خالدًا - كما تدعى تلك الروايات - جعل الولاية لأهل الذمة على المسلمين، وأنه كان ناصبيًا يبغض عليًا - رضي الله عنه - وأن أبا الفرج الأصفهاني قال:"اللهم العن خالدًا واخزه وجدّد على روحه العذاب"ثم قال القاسمي - سامحه الله -"ومن استيفاء أحواله وأخباره بأفظع من هذا مما نصون عنه بحثنا المسطور فليرجع إلى كتاب الأغاني للأصفهاني رحمه الله"!! [43] وهكذا يناقض القاسمي كلامه بنفسه مرة أخرى"فأين التحري والإنصاف ممن ينقل عن الأصفهاني (الشيعي الأموي) !!" [44] وقد قال ابن كثير عن هذا الأصفهاني:"وكان فيه تشيع، قال ابن الجوزي: ومثله لا يوثق به فإنه يصرح في كتبه بما يوجب العشق ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى فيه كل قبيح ومنكر" [45] خاصة إذا علمنا أن الأصفهاني قد روى الكثير من أخبار كتابه عن طائفة من الرواة الكذابين. [46]
وأما خالد القسري فنرى أن ابن كثير يترحم عليه، وقد أورد ابن كثير بعضًا من تلك المثالب التي نسبت إلى خالد ثم قال:"والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه، فإنه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد، وقد نسب إليه صاحب العقد - ابن عبد ربه - أشياء لا تصح، لأن صاحب العقد فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت". [47]
لقد قتل خالد القسري الجعد بن درهم، وقتل أيضًا المغيرة بن سعيد العجلي وبيان بن سمعان التميمي وهما من رؤوس غلاة الشيعة المجسمة الملحدة.
وهذا يكشف لنا تحامل الأصفهاني وابن عبد ربه (الشيعيين) على القسري ورميه بالنصب.
وأما علي سامي النشار، فيدافع عن الجعد بن درهم في كتابه"نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام"ويصفه بأنه أول رواد التفسير العقلي في الإسلام [48] ويمتطى النشار التأويل المتعسف من أجل"تسويغ"زندقة الجعد. ويزعم النشار أن قتل الجعد كان سياسة لا دينًا يقول النشاز:
"لا نستطيع أن نصدق أن قتله (أي الجعد) كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي. [49] "
لكن الحقيقة أن قتل الجعد كان لزندقته وإلحاده يقول ابن تيمية:"وقد قتل الجعد بالعراق في واسط في أوائل المئة الثانية بفتوى التابعين وحمدوه على ما فعل، وشكروا ذلك" [50] ويقول ابن القيم في نونيته:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد
القسري يوم ذبائح القربان
إذ قال إبراهيم ليس خليله
كلام ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان. [51]
ومما قاله النشار:"وهناك عرف الجهم منهج الجعد وهو منهج التأويل وعدم الاهتمام بعلم الحديث، وقد راعه الحشو الهائل الذي أدخل في الحديث، كما راعه عدم اهتمام المحدثين"بالدراية"واقتصارهم فقط على الرواية". [52]
إن رمي أهل الحديث ووصفهم بالحشو وأنهم حشوية ليست أفكارًا جديدًا بل قد قالها عمرو بن عبيد - أحد رؤوس الاعتزال - فوصف ابن عمر الصحابي الجليل بأنه حشوي، وتعود هذه الفرية من جديد كما هو ظاهر في هذا النص.
وأما دعوى أن أهل الحديث لا اهتمام لهم بالدارية فهذه تهمة باردة وقديمة، ومن له إلمام واطلاع على كتب الحديث يدرك عناية السلف الصالح بمتون الأحاديث ونقدها، وقد ذكروا ضوابط وقواعد لهذا الفن. [53]
وأخيرًا أسأل الله - عز وجل - أن يرزقنا حسن الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وبالله التوفيق.
ـــــــــــــــــ
[1] سير أعلام النبلاء 6/ 26.
[2] ميزان الاعتدال 1/ 426.
[3] حاول بعض الباحثين التشكيك في نسبة كتاب تاريخ الجهمية للمؤلف، ولكن الباحث إبراهيم الحسن في رسالته للماجستير (القاسمي ومنهجه في التفسير) بجامعة الإمام /كلية أصول الدين أثبت صحة نسبة الكتاب للقاسمي، وذكر أن هذا الكتاب نشر في مجلة المنار في حياة المؤلف، وربما أن حب القاسمي للتقريب والاتحاد بين الفرق الإسلامية هو الذي دفعه إلى ذلك، لكنه أخطأ في سلوك هذا المسلك فغفر الله له.
[4] خلق أفعال العباد للبخاري ص 8.
[5] عقائد السلف ص 110 (ملحق في الجهمية من كتاب مسائل الإمام أحمد لأبي داود) وقال أبو معاذ خالد بن سليمان البلخي لم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم.
[6] ميزان الاعتدال 10/ 426.
[7] الفتاوى 13/ 182.
[8] الفتاوى 5/ 20.
[9] انظر الغنية 1/ 94.
[10] خلق أفعال العباد ص 11، وقال محقق الكتاب (أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني) : إسناده جيد.
[11] المرجع السابق ص 20 وقال محقق الكتاب (أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني) إسناده صحيح، ورواه عبد الله بن الإمام احمد في السنة، ورواه الذهبي في (االعلو) وقال الألباني: سنده صحيح.
[12] من أفضل الكتب وأوسعها في ذكر آراء الجهم مع الرد والدحض، هو كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي - رحمه الله -، ص 96 - 144
[13] الفتاوى 13/ 185.
[14] الفتاوى 12/ 350.
[15] الفتاوى 8/ 460.
[16] السمنية نسبة إلى سومنات بلدة بالهند، وهو البوذية (عن حاشية عقائد السلف ص 65) .
[17] الرد على الزنادقة والجهمية (ضمن عقائد السلف) ص 65، 66.
[18] مختصر العلو ص 162، وقال الألباني عن إسناد هذه القصة إسنادها صحيح.
[19] مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/ 140.
[20] أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 4/ 722.
[21] رواه اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة، وكذا الآجري في الشريعة.
[22] خلق أفعال العباد للبخاري ص 89.
[23] انظر صحيح الجامع الصغير 5/ 146 رقم الحديث 5509.
[24] الرد على الزنادقة والجهمية (ضمن عقائد السلف) ص 64، 65.
[25] الاعتصام للشاطبي 1/ 221 بتصرف يسير.
[26] ميزان الاعتدال 4/ 173.
[27] خصائص التصور الإسلامي ص 19.
[28] انظر مثلاُ كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، والرد على الجهمية للدارمي وأصول الاعتقاد للالكائي، واجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم وغيرها.
[29] السنة لعبد الله بن الإمام أحمد 1/ 109، 111.
[30] خلق أفعال العباد ص 13.
[31] تاريخ الجهمية والمعتزلة ص 9.
[32] انظر المرجع السابق ص 16.
[33] المرجع السابق ص 18 وهل لأحد الاجتهاد في الصفات؟ وقارن كلامه هنا بكلامه في تفسيره 5/ 94 - 147!
[34] انظر المرجع السابق ص 20.
[35] المرجع السابق ص 28.
[36] الرد على الجهمية ص 171.
[37] المرجع السابق ص 176 ولقد قال ابن القيم عن الجهمية: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان.
[38] خلق أفعال العباد ص 11.
[39] تاريخ الجهمية ص 30.
[40] تاريخ الجهمية ص 23.