فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 73

ا- لما هاجمت جيوش إبراهيم ( [57] ) نجدًا سنة 1233هـ وقصدوا استئصال الدعوة السلفية وأنصارها، وظاهرهم طوائف من البادية والحاضرة، وعندئذ ألّف الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ( [58] ) رسالته القيمة"الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك"لقد صنف الشيخ سليمان هذه الرسالة في وقت زاغت فيه قلوب، وأصابها الخوف الهلع من جيوش إبراهيم باشا، فانساقت إلى مظاهرة المشركين، فقرر الشيخ - بالأدلة الكثيرة - أن من ظاهر الكفار وتولاهم فهو منهم، كما قد وقع من أولئك الخونة.

ب - ويعيد التاريخ نفسه، حيث هجمت العساكر التركية على بلاد نجد - سنة 1253هـ - وأعانهم من أعانهم حتى استولوا على كثير من البلاد، فصنّف الشيخ حمد بن عتيق ( [59] ) رسالة متميزة بعنوان"سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك"

5 -من النوازل المهمة التي وقعت في الجزيرة العربية ما ظن بعضهم أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم وبمصالحة أنها موالاة للكفار التي جاء النهي عنها في النصوص الشرعية، وقد أزال هذا اللبس الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري ( [60] ) ، فخاطب أولئك القوم بقوله:-

"وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم، أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم بمصالحة ونحوها، وقدومهم على ولي الأمر لأجل ذلك، أنها هي موالاة المشركين، المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من"الدلائل"التي صنف الشيخ سليمان بن عبدالله بن الشيخ، ومن"سبيل النجاة"للشيخ حمد بن عتيق."

فأولًا: نبيّن لكم سبب تصنيف"الدلائل"فإن الشيخ سليمان، صنفها لما هجمت العساكر التركية على نجد في وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد، من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم.

وكذلك سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق"سبيل النجاة"هو لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم، حتى استولوا على كثير من بلاد نجد، فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه بحمد الله ظاهر المعنى، فإن المراد به موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم، ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم.

والإمام ( [61] ) وفقه الله لم يقع في شيء مما ذكر، فإنه إمام المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولابدّ له التحفظ على رعاياه وولايته من الدول الأجانب ( [62] ) ..""

6 -أدرك علماء الدعوة بنجد أهمية تقدير المصالح والمفاسد في التعامل مع الكفار، ومن ذلك ما حرره الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن قائلًا:"وأما البداءة بالسلام فلا ينبغي أن يبدأ الكافر بالسلام بل هو تحية أهل الإسلام، لكن إن خاف مفسدة راجحة وفوات مصلحة كذلك، فلا بأس بالبداءة لاسيما من ينتسب إلى الإسلام، ولكن يخفى عليه شيء من أصوله وحقوقه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأتي المشركين من العرب في منازلهم أيام المواسم ويدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة ما سواه، مع ما هم فيه من الشرك والكفر، والردّ القبيح لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والتباعد ( [63] ) .."

كما بيّن الشيخ عبداللطيف جواز مصالحة العدو إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك، وحقق ذلك عملًا وواقعًا، فسعى إلى مصالحة الأعداء محتجًا بأحداث السيرة النبوية، ومن قبله صالح علماء الدرعية إبراهيم باشا لما خيف السبي والاستئصال ( [64] ) .

2 -نوازل في الحكم والسياسة الشرعية

من المعلوم بداهة أن الله تعالى أكمل الدين وأتمّ النعمة، فجاء هذا الدين العظيم محققًا لمصالح الدارين، ومستوعبًا لجميع شؤون الحياة سواءً كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، والعلماء الراسخون هم أولى الناس بفقه السياسة الشرعية، ومعرفة مقاصدها، وبيان مايضادها من السياسات الفاسدة والحادثة.

وقد كان لعلماء الدعوة بنجد جهود متميزة تجاه نوازل في الحكم والسياسة الشرعية سواءً من جهة مبادرتهم إلى الصلح والسعي إلى حقن الدماء، وثبوت الولاية بطرقها الشرعية، وكذا تحذيرهم من السياسات الوضعية وبيان فسادها وأحكامها، والشواهد على ذلك كثيرة، منها:-

ا- كان للشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبي بطين جهود ظاهرة في هذا المجال، نذكر منها ما يلي:-

1 -خرج أقوام من أهل القصيم عن طاعة الإمام فيصل بن تركي سنة 1265هـ، فقامت وقعة (اليتيمة) بين الفريقين، وهُزم أهل القصيم، وقتل منهم الكثير، فعمد أمير بريدة عبدالعزيز آل أبو عليان ( [65] ) إلى حضّ الناس على القتال، فلم يستجب له، ثم جاءه الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبو بطين وكان قاضي القصيم آنذاك فقال له: يا هذا اتق الله، واربأ بنفسك فإن البلد ليست لك ولا بيدك، وأمرها بيد أهلها، وليس لك فيها أمر ولا نهي، وهم يريدون إصلاح أنفسهم مع الإمام فيصل، فإن أردت أن تكون كذلك فافعل ( [66] ) .

فلقد أوصاه بكلام جامع، أمره بتقوى الله تعالى، وحثّه على الصلح مع الإمام لما في ذلك من الاجتماع وحفظ الدماء.

2 -ومن جهود الشيخ أبي بطين في هذا المقام أن طوائف من أهل القصيم الذين خرجوا على الإمام فيصل فأشعلوا الفتنة، ثم هزموا في موقعة"اليتيمة"-كما سبق آنفًا - قد ندموا على ما صنعوا وخافوا من سطوة الإمام، فأتى رؤساؤهم إلى الشيخ عبدالله أبي بطين وقالوا له: إن هذه الأمور التي وقعت لا يصلحها إلا أنت، ولا يزيل غضب الإمام غيرك، فاعتذر الشيخ عبدالله عن ذلك، فألحوا عليه، فأجابهم إلى ذلك، وركب إلى الإمام فأكرمه وأجابه إلى كل ما طلب من العفو والصفح عنهم ( [67] ) .

فهؤلاء الرؤساء يدركون الدور الكبير الذي يضطلع به الشيخ عبدالله أبو بطين من تحقيق العفو والتجاوز عنهم، وهذا ما تمّ على يد الشيخ رحمه الله.

3 -ولما عزم أهل عنيزة على إخراج أميرهم جلوي بن تركي ( [68] ) 1270هـ، وحاصروه في قصره، بادر الشيخ أبو بطين فنصح أهل عنيزة بأن لا يخرجوا جلوي بهذه الطريقة، وقال:"أنا كفيل لكم بأن أركب إلى الإمام وأطلب منه أن يعزل أخاه"جلوي"وينصب بدله أميرًا ترضونه"لكنهم أصروا على إخراجه، فغضب الشيخ أبو بطين وخرج إلى بريدة ( [69] ) .

لقد بذل الشيخ وسعه وأسدى نصحه، تحقيقًا لإصلاح ذات البين، والتئام الشمل، ولما في الشغب والخروج على الولاة دون مسوغ شرعي من فساد الأحوال وتنافر القلوب.

ب - لما توفى الإمام فيصل بن تركي سنة 1282هـ، وتولى الحكم من بعده ابنه عبدالله حصل شقاق وافتراق بين عبدالله وأخيه سعود، فوقعت حروب طاحنة و فتن موجعة في جزيرة العرب.

وكان للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن دور ظاهر في الإصلاح وتبيين الحق، وجمع الكلمة وحفظ الدماء، ودرء الفتنة، ودفع الشر والفساد بحسب الوسع، لقد أوتي الشيخ عبداللطيف قوة وبصيرة، وعلمًا ورسوخًا، وحكمة ونصحًا وإشفاقًا على الراعي والرعية، حيث سطّر الشيخ عبداللطيف رسائل كثيرة - أثناء تلك الفتنة الطويلة - تضمنت عرضًا وافيًا، وتحليلًا متينًا لتلك الأحداث الجسام، مع بيان موقفه من تلك النوازل.

ونختار من هذه الرسائل رسالة أحسب أن الشيخ كتبها في أخر حياته ( [70] ) ، كما أنها أوفى الرسائل عرضًا وتحليلًا لأحداث الفتنة، وهذا نصها:-

"من عبد اللطيف بن عبدالرحمن إلى الأخوين المكرمين زيد بن محمد و صالح بن محمد الشثري ( [71] ) سلمهم الله تعالى."

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد:- فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط وصل أوصلكم الله إلى ما يرضيه، وما ذكرتموه كان معلومًا، موجب تحرير هذا ما بلغني بعد قدوم عبدالله ( [72] ) وغزوه من أهل الفرع ( [73] ) وما جرى لديكم من تفاصيل الخوض في أمرنا والمراء والغيبة، وإن كان قد بلغني أولًا كثير من ذلك لكن بلغني مع من ذكر تفاصيل ما ظننتها، فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض ونسبتي إلى الهوى والعصبية، فتلك أعراض انتهكت وهتكت في ذات الله أعدها لديه جل وعلا ليوم فقري وفاقتي، وليس الكلام فيها: والقصد بيان ما أشكل على الخواص والمنتسبين من طريقتي في هذه الفتنة العمياء الصماء، فأول ذلك مفارقة سعود ( [74] ) لجماعة المسلمين وخروجه على أخيه؛ وقد صدر منا الرد عليه وتسفيه رأيه ونصيحة ولد عائض ( [75] ) وأمثاله من الرؤساء عن متابعته والإصغاء إليه ونصرته، وذكّرناه بما ورد من الآثار النبوية والآيات القرآنية بتحريم ما فعل والتغليط على من نصره ولم نزل على ذلك إلى أن وقعت وقعة جودة ( [76] ) فثل عرض الولاية وانتثر نظامها، وحبس محمد بن فيصل وخرج الإمام عبدالله شاردًا، وفارقه أقاربه وأنصاره، وعند وداعه وصيّته بالاعتصام بالله وطلب النصر منه وحده وعدم الركون إلى الدولة الخاسرة.

ثم قدم علينا سعود ( [77] ) بمن معه من العجمان والدواسر وأهل الفرع وأهل الحريق وأهل الأفلاج وأهل الوادي، ونحن في قلة وضعف وليس في بلدنا ( [78] ) من يبلغ الأربعين مقاتلًا، فخرجتُ إليه وبذلت جهدي ودافعت عن المسلمين ما استطعت خشية استباحة البلدة ومعه من الأشرار وفجار والقرى من يحثه على ذلك ويتفوه بتكفير بعض رؤساء أهل بلدتنا، فوقى الله شر تلك الفتنة ولطف بنا ودخلها بعد صلح وعقد، وما جرى من المظالم والنكث دون ما كنا نتوقع ( [79] ) ، وليس الكلام بصدده وإنما الكلام في بيان ما نراه ونعتقده، وصارت له ولاية بالغلبة والقهر تنفذ بها أحكامه، وتجب طاعته في المعروف كما عليه كافة أهل العلم على تقادم الأعصار ومر الدهور، فسرتُ على آثار أهل العلم واقتديت في الطاعة في المعروف وترك الفتنة وما توجب من الفساد على الدين والدنيا، والله يعلم أني بار راشد في ذلك، ومن أشكل عليه شيء من ذلك فليراجع كتب الإجماع كمصنف ابن حزم ومصنف ابن هبيرة وما ذكره الحنابلة وغيرهم، وما ظننت أن هذا يخفى على من له أدنى تحصيل وممارسة، وقد قيل: سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم.

وأما الإمام عبدالله فقد نصحت له كما تقدم أشد النصح، وبعد مجيئه لما أخرج شيعةُ عبدالله سعودًا وقدم من الأحساء ذاكرته في النصيحة، وتذكيره بآيات الله وحقه وإيثار مرضاته، والتباعد عن أعدائه وأعداء دينه أهل التعطيل والشرك والكفر والبواح، وأظهر التوبة والندم، واضمحل أمر سعود، وصار مع شرذمة من البادية حول المرة والعجمان، وصار لعبدالله غلبة ثبتت بها ولايته ( [80] ) على ما قرره الحنابلة وغيرهم، كما تقدم أن عليه عمل الناس من أعصار متطاولة.

ثم ابتلينا بسعود وقدم إلينا مرة ثانية ( [81] ) ، وجرى ما بلغكم من الهزيمة على عبدالله وجنوده ومر بالبلدة منهزمًا لا يلوي على أحد، وخشيت من البادية؛ وعجلت إلى سعود كتابًا في طلب الأمان لأهل البلدة وكف البادية عنهم وباشرت بنفسي مدافعة الأعراب، مع شرذمة قليلة من أهل البلدة ابتغاء ثواب الله ومرضاته، فدخل البلدة وتوجه عبدالله إلى الشمال وصار الغلبة لسعود والحكم يدور مع علته؛ وأما بعد وفاة سعود ( [82] ) ، فقدم الغزاة ومن معهم من الأعراب العتاة، والحضر الطغاة فخشينا الاختلاف وسفك الدماء وقطيعة الأرحام بين حمولة آل مقرن، مع غيبة عبدالله وتعذر مبايعته بل ومكاتبته، ومن ذكره يخشى على نفسه وماله أفيحسن أن يترك المسلمون وضعفاؤهم نهبًا وسبيًا للأعراب والفجار؟

ومن توهم أني وأمثالي أستطيع دفع ذلك مع ضعفي وعدم سلطاني وناصري فهو من أسفه الناس وأضعفهم عقلًا وتصورًا، ومن عرف قواعد الدين وأصول الفقه وما يطلب من تحصيل المصالح ودفع المفاسد، لم يشكل عليه شيء من هذا، وليس الخطاب مع الجهلة والغوغاء، إنما الخطاب معكم معاشر القضاة والمفاتي والمتصدرين لإفادة الناس وحماية الشريعة المحمدية، وبهذا ثبتت بيعته ( [83] ) وانعقدت، وصار من ينتظر غائبًا لا تحصل به المصالح فيه شبه ممن يقول طاعة المنتظر وأنه لا إمامة إلا به.

ثم إن حمولة آل سعود صارت بينهم شحناء وعداوة والكل يرى له الأولوية بالولاية، وصرنا نتوقع كل يوم فتنة وكل ساعة محنة فلطف الله بنا وخرج ابن جلوي من البلدة وقتل ابن صنيتان وصار لي إقدام على محاولة عبدالرحمن في الصلح وترك الولاية لأخيه عبدالله فلم آل جهدي في تحصيل ذلك والمشورة عليه ...

فيسر الله قبل قدوم عبدالله بنحو أربعة أيام أنه وافق على تقديم عبدالله وعزل نفسه بشروط، فلما نزل الإمام عبدالله ساحتنا اجتهدت إلى أن محمد بن فيصل يظهر إلى أخيه ويأتي بأمان لعبدالرحمن وذويه وأهل البلدة، وسعيت في فتح الباب واجتهدت في ذلك، ومع ذلك كله فلما خرجت للسلام عليه وإذا أهل الفرع وجهلة البوادي، ومن معهم من المنافقين يستأذنونه في نهب نخيلنا وأموالنا، ورأيت معه بعض التغير والعبوس، ومن عامل الله ما فقد شيئًا ومن ضيّع الله ما وجد شيئًا، ولكنه بعد ذلك أظهر الكرامة ولين الجانب، وزعم أن الناس قالوا ونقلوا وبئس مطية الرجل زعموا، وتحقق عندي دعواه التوبة وأظهر لدي الاستغفار والتوبة والندم، وبايعته على كتاب الله وسنة ورسوله:

هذا مختصر القضية، ولولا أنكم من طلبة العلم والممارسين الذين يكتفون بالإشارة وأصول المسائل، لكتبت رسالة مبسوطة، ونقلت من نصوص أهل العلم وإجتماعهم ما يكشف الغمة ويزيل اللبس، ومن بقي عليه إشكال فليرشدنا رحمه الله، ولو أنكم أرسلتم بما عندكم مما يقرر هذا أو يخالفه وصارت المذاكرة، لانكشف الأمر من أول وهلة، ولكنكم صممتم على رأيكم، وَتَرك النصيحة من كان عنده علم، واغتر الجاهل، ولم يعرف ما يدين الله به في هذه القضية وتكلم بغير علم ووقع اللبس والخلط والمراء والاعتداء في دماء المسلمين وأعراضهم، وهذا بسبب سكوت الفقيه، وعدم البحث واستغناء الجاهل بجهله واستقلاله بنفسه، وبالجملة فهذا الذي نعتقد وندين الله به، والمسترشد يذاكر ويبحث، والظالم المعتدي حسابنا وحسابه إلى الله الذي تنكشف عنده السرائر وتظهر مخبآت الصدور والضمائر يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور: وأما ما ذكرتم من التنصل والبراءة مما نسب في حقّي إليكم فالأمر سهل والجروح جبار ولا حرج ولا عار، وأوصيكم بالصدق مع الله واستدراك ما فرطتم فيه من الغلظة على المنافقين الذين فتحوا للشرك كل باب، وركن إليهم كل منافق كذاب؛ وتأمّل قوله بعد نهيه عن موالاة الكافرين (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) (سورة آل عمران:30) والسلام" ( [84] ) ."

ويمكن أن نوجز جهود الشيخ عبداللطيف في نوازل الحكم والسياسة ومن خلال هذه الرسالة ونظائرها على النحو التالي:-

1 -بيّن الشيخ - زمن تلك الفتنة العمياء - أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، وحقق ذلك من خلال جهود عملية، فأمر بالاجتماع على الإمام وأنكر الخروج عليه ( [85] ) .

يقول الشيخ عبداللطيف:-"حذرت من الفتنة والمشاقة، والرغبة عن جماعة المسلمين"ولا قصد لي إلا اجتماع المسلمين، ودفع الشر والفساد بحسب الطاقة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" ( [86] ) ."

2 -بذل الشيخ جهده، فدافع عن المسلمين - أكثر من مرة - تجاه من عزم على استباحة الرياض، وبادر إلى إقامة الصلح وطلب الأمان، فانكشفت الغمة، وتحقق حقن الدماء وصيانة الأموال ( [87] ) .

3 -قرر الشيخ ثبوت الولاية بالغلبة والقهر، وساق أدلته، فأثبت ولاية سعود بن فيصل بعد أن تغلّب على أخيه عبدالله، كما أثبت ولاية عبدالله لما حصلت له الغلبة ..

4 -حذّر الشيخ - في هذه الأحداث المتوترة - من الركون إلى الكافرين وموالاتهم ووصفها بأنها الفتنة الكبرى والمصيبة العظمى، واستفرغ الشيخ وسعه في منع هذا الركون، وحذّر الولاة من مغبة ذلك الركون ( [88] ) .

5 -ومع أن الشيخ كابد تلك الأحداث الجسام، واجتهد في دفع الشر والفساد، وقدّم نصحه وعالج تلك الفتن بعلم وعدل إلا أنه لم يسلم من قدح وغيبة واتهامه بالهوى والعصبية.

حيث قال في مطلع الرسالة السابقة"فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض، ونسبتي إلى الهوى والعصبية، فتلك أعراض انتهكت وهتكت في ذات الله أعدها لديه جلّ وعلا ليوم فقري وفاقتي، وليس الكلام فيها. والقصد بيان ما أشكل على الخواص من طريقتي في هذه الفتنة .."

لقد كان الشيخ عبداللطيف من أرباب النفوس الكبيرة فقد تجاوز ذلك القدح في شخصه، وخاطبهم بما يزيل الاشتباه في هذه الفتنة المدلهمة، وختم رسالته بالتأكيد على المذاكرة والمدارسة فيما قد يشكل مع العظة والوصية بالصدق مع الله عز وجل.

جـ - وأما عن العلامة عبدالرحمن السعدي، فمع تميّزه برسوخ في فقه قواعد الشريعة، وما يضادها، ودراية بقواعد المصالح والمفاسد، فقد كان صاحب وعي سياسي ومعرفة بأحوال عصره ونورد على ذلك الأمثلة الآتية:-

1 -حذّر الشيخ السعدي من القوانين الوضعية، وبيّن مفاسدها، كما وضّح عظمة الشريعة الإسلامية وملاءمتها لكل الأحوال والأزمان، فكان مما قاله:

"من أكبر الأغلاط وأعظم الأخطاء استمداد الحكومات الإسلامية والأفراد نُظُمهم من النظم الأجنبية، وهي في غاية الخلل والنقص، وتركهم الاستمداد من دينهم، وفيه الكمال والتكميل ودفع الشر والفساد."

ما بقي من الإسلام إلا اسمه، نتسمى بأننا مسلمون ونترك مقومات ديننا وأسسه، ونذهب نستمدّها من الأجانب، وسبب ذلك الجهل الكبير بالدين وإحسان الظن بالأجانب، ومشاهدة ما عليه المسلمون من الاختلال والضعف. نشأ عن ذلك كله توجيه الوجوه إلى الاستمداد من الأجانب .." ( [89] ) "

2 -قرر الشيخ ضرورة و وجوب معرفة السياسة الدولية ومقاصدها وأحوالها، فقال:-"قد عُلم من قواعد الدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد، ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقيّ لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم، وخصوصًا السياسة الموجهة منهم للمسلمين؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع، وعدم الوفاء، واستبعاد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد، فجهل المسلمين نقص كبير وضرر خطير، ومعرفتها نفعه عظيم، وفيه دفع للشر أو تخفيفه ( [90] ) ".

3 -ومن تحريراته المهمة في مجال السياسة الشرعية، تجويز الانتفاع بالوسائل التي يحصل بها حماية المسلمين كالروابط القبلية مثلًا، فمن فوائده المستنبطة من قصة شعيب عليه السلام عند قوله تعالى):قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ (( سورة هود:91) "حيث قال رحمه الله:-"

"ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه، بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك، لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان."

فعلى هذا لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية، يتمكن فيها الأفراد من حقوقهم لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضى على حقوقهم ( [91] ) ""

د. وأما عن الشيخ محمد بن إبراهيم ( [92] ) فله جهود بارزة واهتمامات ظاهرة بمسألة الحاكمية، فإن من النوازل التي عصفت بالمسلمين في عصره تحكيم القوانين الوضعية وتنحية شرع الله تعالى المنزل، ويمكن أن نشير - بإيجاز - إلى جهود الشيخ محمد بن إبراهيم في هذا الشأن على النحو الآتي:

1 -يؤكد الشيخ على اختصاص الله وحده بالحكم، فيذكر - رحمه الله -"أن الشرع وحده المتعيِّن للحكم بين الناس، وفصل النزاع عند ما يحصل التنازع، واعتبار شيء من القوانين للحكم بها و لو في أقل القليل لا شك أنه عدم رضا بحكم الله ورسوله" ( [93] ) .

وإذا كان بعض المفتونين بالقوانين الوضعية يزعمون أن الشريعة لا تستوعب حل المستجدات المعاصرة، فإن الشيخ يقرر أن الشريعة كفيلة بإصلاح كل أحوال البشرية، ولذا خاطب القضاة بوجوب النظر في جميع القضايا دون إحالتها إلى جهة أخرى فقال:"غير خاف أن الشريعة الإسلامية كفيلة بإصلاح أحوال البشرية في كل المجالات، وفيها كفاية تامة لحل النزاع وفض الخصام وإيضاح كل مشكل، وفي الإحالة على تلك الجهات إقرار للقوانين الوضعية، وإظهار للمحاكم الشرعية بمظهر العجز والكسل" ( [94] ) .

ويقول - في رسالة أخرى:"فأي نزاع كان بين متنازعين سواء البلدية أو غيرها فمرجعه إلى الحكم الشرعي، ومن رام غير هذا فقد رام شططًا وخرج عن الصراط المستقيم" ( [95] ) .

ويقول - في موضع ثالث - واصفًا الشرع المنزّل:-"وهو الشرع المطهر الصالح لكل زمان ومكان، والكفيل بحل مشاكل العالم في أمور دينهم ودنياهم، مهما طال الزمان، وتغيرت الأحوال، وتطور الإنسان؛ لأن الشريعة قواعد شَرعها المحيطُ علمه بكل شيء، لتنظيم أحوال الناس وحل مشاكلهم على سبيل الدوام، وهو سبحانه العليم الحكيم الذي شرع الشرائع وأوضح الأحكام، وأرأف بعباده المؤمنين، وأعلم بمصالح خلقه من أنفسهم .. ( [96] ) "

2 -حرص الشيخ على استقلالية القضاء، وتميّز كيانه، وكونه حاكمًا لا محكومًا، فمنع من إشراك غير القضاة فيما هو من اختصاصهم فقال:"فاشتراك الأمير أو غيره مع القاضي في شيء يستدعي إصدار صك شرعي لا يسوغ، ومشاركة غير القضاة الشرعيين في أمور شرعية لا يترك للمحكمة أن تستقل بنظر ما هو من اختصاصها. ( [97] ) "

وفي استقلالية القضاء مصالح عظيمة من قيام بالعدل، و إنفاذ للأحكام الشرعية من خلال أهل الشأن.

3 -فرّق الشيخ بين القوانين الوضعية وبين الأنظمة الإدارية، فسوغ الأنظمة الإدارية التي تعنى بالأحوال الإدارية وما في معناها، ولا تجاوز اختصاصها، بل كان للشيخ رأي وتوجيه لبعض الأنظم الإدارية بما ينفع الناس، ( [98] ) وحذّر الشيخ وغلّظ من شأن القوانين الوضعية، وكشف عن أخطارها ومفاسدها، وكان له موافق حازمة تجاه أي هيئة أو مؤسسة ذات حكم وضعي كما هو مبسوط في فتاويه ( [99] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت