أهل البغي؛ طائفة من المسلمين تخرج على الإمام الشرعي بتأويل سائغ ولا يكونون كفارًا بمجرد خروجهم لأنهم ما خرجوا إلا بتأويل سائغ بل ولا يكونون فساقًا عند بعض العلماء.
قال الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله [223] ما نصه:"وأما إذا كان الباغي مجتهدًا ومتأولًا ولم يتبين له أنه باغ بل اعتقد أنه على الحق وإن كان مخطئًا في اعتقاده. لم تكن تسميته (باغيًا) موجبة لأثمه، فضلًا عن أن توجب فسقه. والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون: مع الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم لا عقوبة لهم بل للمنع من العدوان ويقولون إنهم باقون على العدالة لا يفسقون"اهـ.
ومما استدل به القائلون بعدم تفسيق أهل البغي قوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [224] . وجه الدلالة من الآيات أنه قال {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} ثم إن البغاة إذا خرجوا على الإمام والحالة هذه وجب عليه أن يدعوهم ويسألهم ما ينقمون منه فإن ذكروا مظلمة أزالها وإن ذكروا شبهة كشفها، فإن استمروا في الخروج بعد ذلك استعان بالله وقاتلهم، ولا يجوز له أن يستعين بالكفار على قتالهم كما لا يجوز الاستعانة بالكفار على قتال الدولة المسلمة التي حصل بينه وبين حاكمها نزاع أو خلاف لأن في الاستعانة بالكافرين تسليطًا لهم على المسلمين ولا يجوز لأحد أن يسلط كافرًا على مسلم {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} [225] . وقد اتفق من يعتد بقوله من علماء الأمة وفقهائها على أنه لا يجوز للحاكم المسلم أن يستعين بالدولة الكافرة على المسلمين بأي حال من الأحوال وذلك للأمور التالية:
1)ما قدمناه من النصوص من الكتاب والسنة وأقوال العلماء من منع الاستعانة بالكفار على الكفار فإن كان هذا هو الراجح - أعني منع استعانة المسلمين بالكفار على الدولة الكافرة - فمن باب أولى منع الاستعانة بهم على الدولة المسلمة.
2)الكفار أعداء للمسلمين عداوة عقيدة ودين، ومعلوم أن الكفار إذا مكنوا من قتال المسلمين انتقموا منهم واستأصلوا شأفتهم لما يضمرون لهم من البغضاء والعداء [226] . قال تعالى: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءًا ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون} [227] . وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر - إلى قوله - وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} [228] ، وقال تعالى: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} [229] .
3)وبالنسبة لأهل البغي فالعلة في جواز قتالهم هي كفهم وردهم إلى الطاعة لا قتلهم وإبادتهم وبهذا يعلم أنه لا حاجة إلى الكفار فلم تجز الاستعانة بهم.
4)أن الاستعانة بالكفار في تلك الحال موالاة لهم وركون إليهم وقد قال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [230] .
5)ثم إن في الاستعانة بهم تعزيزًا وتقوية لبعض المسلمين على بعض وإشعالًا للحروب بينهم ودافعًا لهم على التنازع على الرئاسة والملك وذلك مالا يقره الشرع بحال بل إنه يدعو المسلمين في تلك الحال إلى الإصلاح فيما إذا كانوا جميعًا طلاب حق أو ملك أو رئاسة فإذا كانت إحدى الطائفتين المتحاربتين هي المحقة فالمقصود من قتالها للأخرى دفع بغيها لا إبادتها وذلك يتحقق بدون الاستنصار بالكفار.
6)والاستعانة بالكفار تمكين لهم في كسر شوكة المسلمين والقضاء عليها بل ربما إبادتهم أو طردهم من بلادهم والاستيلاء عليها وكفى بالتاريخ شاهدًا على ما نقول فالمسلمون في الأندلس مثلًا وقعت بينهم الفتن العظيمة واستنصر بعضهم بالنصارى على إخوانهم المسلمين حتى هلكوا جميعًا وزال سلطان المسلمين هناك والأمر لله من قبل ومن بعد.
7)والاستعانة بهم كذلك سلم لهم للتدخل في شؤون المسلمين الخاصة والاطلاع على عورات المسلمين ومكامن الضعف والقوة فيهم الأمر الذي قد يجعلهم سادات وحكام يحتكم إليهم المسلمون بل ربما آل الأمر بأولئك إلى حشد جيوشهم وسلاحهم في بلاد المسلمين باسم المحافظة على الأمن وفض النزاع ونصرة المستضعفين والمظلومين وذلك بمجرد توجيه أدنى إشارة إليهم للنجدة والنصرة من بعض من في قلوبهم مرض من المسلمين أهـ [231] .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن من صور الاستعانة بالكفار على أهل البغي ما يكون كفرًا [232] .
قال الإمام أبو محمد علي بن حزم في المحلى:"وأما من حملته الحمية من أهل الثَّغر من المسلمين فاستعان بالمشركين الحربيين وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين أو على أخذ أموالهم أو سبيهم فإن كانت يده هي الغالبة وكان الكفار له كأتباع فهو هالك في غاية الفسوق ولا يكون بذلك كافرًا لأنه لم يأت شيئًا وجب به عليه كفرٌ قرآن أو إجماع وإن كان حكم الكفار جاريًا عليه فهو بذلك كافر على ما ذكرنا فإن كانا متساويين لا يجري حكم أحدهما على الآخر فما نراه بذلك كافرًا والله أعلم" [233] . وهذا الحكم أعني منع الاستعانة بالكفار شامل للكفار الحربيين وأهل الذمة والمرتدين قال الإمام أبو محمد علي بن حزم أيضًا [234] :"هل يستعان على أهل البغي بأهل الحرب أو بأهل الذمة أو بأهل بغي آخرين قال أبو محمد رحمه الله: اختلف الناس في هذا فقالت طائفة لا يجوز أن يستعان عليهم بحربي ولا بذمي ولا بمن يستحل قتالهم مدبرين وهذا قول الشافعي رضي الله عنه وقد ذكرنا في كتاب الجهاد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنا لا نستعين بمشرك" [235] وهذا عموم مانع من أن يستعان بهم في ولاية أو قتال أو شيء من الأشياء إلا ما صح الإجماع على جواز الاستعانة بهم فيه كخدمة الهداية أو الاستئجار أو قضاء الحاجة وغير ذلك ممالا يخرجون فيه عن الصغار والمشرك يقع على الذمي والحربي"اهـ.
أما من قال من المنتسبين للعلم بجواز الاستعانة بالكفار على قتال أهل البغي عند الضرورة فليس له حجة ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر صحيح.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله:"أما استنصار المسلم بالمشرك على الباغي فلم يقل بهذا إلا من شذ واعتمدها القياس ولم ينظر إلى مناط الحكم والجامع بين الأصل وفرعه ومن هجم على مثل هذه الأقوال الشاذة واعتمد في نقله وفتواه فقد تتبع الرخص ونبذ الأصل المقرر عند سلف الأمة وأئمتها المستفاد من حديث الحسن وحديث النعمان بن بشير"أهـ [236] .
[223] الفتاوى 35/ 76.
[224] سورة الحجرات، آية 9 - 10.
[225] سورة النساء، آية 141.
[226] كما حصل مثل ذلك للشعب المسلم في العراق حينما تسلط عليهم الكفار من الأمريكان والانجليز بسبب استعانة بعض الحكام بهم على قتالهم فقد دمروا العراق وقواته واذاقوا شعبه الوبال فاصبح هذا الشعب المسلم يعاني من الأمراض ونقص الغذاء والدواء كل ذلك نتيجة تسلط هذه الدول الكافرة على هذا الشعب المسلم بسبب تلك الاستعانة وطلب النصرة منهم والتأييد.