الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى لما أراد بأهل الأرض خيرًا أرسل إليهم محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وأمره أن يبلغ هذا الدين لأمته، فقام صلوات الله وسلامه عليه بهذا الأمر أتم قيام فما ترك خيرًا وصلاحًا إلا دل الأمة عليه وأمرهم به وبين لهم أسباب الوصول إليه، وما ترك شرًا إلا وحذر الأمة منه ونهاهم عنه وبين لهم الطرق الموصلة إليه ليجتنبوه، فما توفي عليه الصلاة والسلام إلا وقد بين لأمته كل ما تحتاج إليه ويصلحها في دنياها وأخراها. قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} [1] . وقال عليه الصلاة والسلام:"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" [2] . وقال أبو ذر رضي الله عنه:"ما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وذكر لنا منه علمًا" [3] .
وإن مما حذر منه عليه الصلاة والسلام ونهى عنه في آخر حياته وفي مرض موته صلى الله عليه وسلم إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب واستعانة المسلمين بالكفار في القتال وفي غيره، والمستقرىء لكتاب الله العزيز يجد فيه النصوص الكثيرة في تحريم الركون إلى الكفار وموالاتهم والاستعانة بهم، وكذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم نصوص كثيرة متظافرة تنهى نهيًا مؤكدًا عن إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب، وعن الاستعانة بالكفار والركون إليهم وموالاتهم كذلك، وهذا ثابت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها كما ستقف عليه إن شاء الله في أثناء هذا البحث، ولما رأيت بعض الحكومات - التي تدعي الإسلام - في الجزيرة العربية قد تجاهلت مدلول هذه النصوص فسهلت الطريق لدخول اليهود والنصارى إلى الجزيرة ومكنتهم من الإقامة فيها وتكديس ترسانات أسلحتهم المتنوعة فيها لإرهاب المسلمين وتهديد استقرار الشعوب العربية المسلمة ومهاجمتهم بالأسلحة الفتاكة واستمرار الهجمات والضربات العسكرية عليهم من وقت لآخر ... رأيت لزامًا عليَّ أن أبين هذه الحقيقة وفق ما يفهم من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فكتبت هذا البحث المختصر وضمنته بعضًا من النصوص الواردة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة في هذا الشأن كما ذكرت فيه جملة من أقوال علماء الأمة الذين أدوا الأمانة ووفوا بالعهود التي أخذها الله عليهم فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
ولقد عزمت على كتابة هذا البحث إبراءًا للذمة وأداءًا للأمانة واتقاءًا للوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [4] .
والله أسأل أن ينفع به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.
حمود بن عبد الله بن عقلاء الشعيبي
الأستاذ سابقًا في كلية الشريعة وأصول الدين
في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية / فرع القصيم
15 شوال 1419هـ
[1] سورة المائدة، آية 3.
[2] رواه ابن ماجه في المقدمة، رقم (43) ، والترمذي في المناقب (3786) ، ومالك في الموطأ في القدر، باب النهي عن القول بالقدر بلاغًا رقم (3) تنوير الحوالك، والحاكم 1/ 96 بسند صحيح.
[3] رواه أحمد برقم (20399 و 20467) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 264، وقال رجاله رجال الصحيح، والطبراني في الكبير 2/ 166 رقم (1647) بإسناد جيد.
[4] سورة البقرة، آية 159.