الصفحة 7 من 19

تمهيد:

لما أوجد الله الخليقة على هذه الأرض كانوا مفتقرين ومحتاجين لبعضهم في تحقيق أمورهم لأن كل فرد من البشر مهما كانت قدرته وغناه، ومهما بلغ من العلم لا يستطيع أن يقوم بكل شؤونه بل لابد أن يحتاج إلى غيره في تحقيق ما يريد حتى ولو كان ملكًا أو عالمًا أو غنيًا، فلو كان الملك مثلًا على جانب من الشجاعة والعلم بشؤون الحرب والقتال ماهرًا في علوم السياسة والقيادة وأراد الغزو لقتال العدو فلابد أن يحتاج إلى من يعينه على هذه المهمة من مستشارين وضباط وجنود وغيرهم وأولئك الأعوان محتاجون إلى الملك في ما يأخذونه من أجور على أعمالهم.

ومثال آخر يبين مدى حاجة كل فرد من البشر إلى غيره، فلو أراد إنسان أن يقيم لنفسه قصرًا فإنه لا يقوى على تحقيق ذلك مهما كانت منزلته من الغنى والعلم بشؤون البناء والهندسة بل لابد من احتياجه إلى من يعينه من بنائين وصناع وغيرهم.

والخلاصة أن كل فرد من أفراد البشر محتاج لخدمة غيره، وغيره محتاج لخدمته وإن لم يشعر بذلك:

الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ

ولما كان التعاون بين الناس بهذه المنزلة من الأهمية أمر به الإسلام ورغب فيه وحث عليه قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ... } [77] ، وامتن سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين بأن جعلهم أمة واحدة متحدين متعاونين متناصرين بعد أن كانوا مختلفين ومتفرقين قال سبحانه وتعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا ... } [78] الآية. وقال سبحانه وتعالى ممتنًا على نبيه صلى الله عليه وسلم: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم} [79] ، وقال عليه الصلاة والسلام:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" [80] ، وقال عليه الصلاة والسلام:"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" [81] ، ولما كانت الاستعانة تقتضي الحب والموالاة والركون إلى المستعان به رأيت أن أقدم نبذة مختصرة عن الولاء والبراء ...

[77] المائدة، آية 2.

[78] آل عمران: آية 103.

[79] الأنفال: آية 62 - 63.

[80] رواه البخاري في كتاب الأدب رقم (6011) ، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب رقم (2586) .

[81] رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم (2699) ،وأبو داود في كتاب الأدب رقم (4946) ، وابن ماجه في المقدمة رقم (225) ، والترمذي في كتاب الحدود رقم (1425) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت