الصفحة 18 من 19

لقد بينا فيما سبق أن الاستعانة بهم لا تجوز مطلقًا سواء أكانت الاستعانة بهم في الحرب والقتال أم في الإدارة والكتابة وسائر الأعمال وبرهنّا على ذلك بنصوص من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وذكرنا أقوال علماء الأمة في ذلك وفي هذا الفصل نبين حكم الاستعانة بهم من حيث المعنى مثل وقوفهم إلى جانب قضايانا وتصويتهم معنا في المحافل الدولية لأن ذلك لا يعدو الأقوال دون الفعال فهم وإن وقفوا مع المسلمين وأيدوا قضاياهم بالقول فلن يفعلوا شيئًا يكون فيه نصرة للمسلمين أو نفعٌ لهم لأنهم أعداء للإسلام والمسلمين ويفرحون بكل ما من شأنه أن يضر بقضايا المسلمين وكل عداوة قد يرجى زوالها إلا العداوة في الدين كما قال الشاعر:

كل العدوات قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك في الدين

والواقع شاهد على ما نقول فقد أبيد المسلمون في البوسنة والهرسك من قبل النصارى ودامت الحرب سنوات والأمم الكافرة تشجب وتستنكر في هيئة الأمم وفي غيرها من المحافل الدولية وتهدد لكن لم يحصل فعل وكذلك في إقليم كوسوفا فمنذ أكثر من سنة والصرب يبيدون المسلمين ويجلونهم من ديارهم ويحرقونها والغرب يشجب ويستنكر ويتوعد بضربات عسكرية ضد صربيا لكنه لم يفعل شيئًا.

قال الدكتور عبد الله بن إبراهيم الطريقي:"إن عصرًا مثل عصرنا الذي قويت فيه شوكة الباطل ودالت له الدولة وضعفت فيه الأمة الإسلامية وتفرقت دويلاتها مزقًا وضاعت فيه حقوقها واغتصبت أراضيها وانتهكت حرماتها في كثير من بلدانها إن عصرًا كهذا قد يدعو المسلمين إلى عملِ ما يملكونه وما يستطيعونه لتوجيه أنظار العالم إلى قضاياهم الضائعة وحقوقهم المغتصبة وإقناعه بأهميتها ومن ثم طلب ضم الصوت لصالحهم بالتنديد بأعمال العدو المغتصب وضرورة إعادة الحقوق إلى أصحابها. ويمكن أن نضرب لذلك مثلًا بقضية المسلمين في"فلسطين"التي اغتصبها اليهود وأقاموا فيها دولتهم على مرأى ومسمع من العالم فهل مثل هذا العمل مشروع؟"

إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي إثارة سؤالين هما:

الأول: هل من فائدة في استجداء الكفار واستعطافهم واسترحامهم؟

الثاني: ماواجب المسلمين حينما يحصل الاعتداء من الكفار على ديارهم ومقدساتهم؟

ونجيب عن السؤال الأول فنقول: لعل مما لا ينكر شرعًا أو واقعًا أن استجداء الكفار واستعطافهم ما هو إلا ذل وصغار للمسلمين ولا يزيدهم إلا وهنًا ولا يزيد الكافرين إلا عزة واستكبارًا وأنفه، وصدق الله جل ثناؤه إذ يقول: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا} [249] ، وإذ يقول: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط} [250] ، ففي الآية الأولى ينكر الله على من يطلب العزة من الكفار ولا شك أن طلب ضم الصوت منهم يعتبر طلبًا للعزة وفي الثانية يخبر الله تعالى عن الكفار أنهم يساءون حينما يصيب المسلمين خير ويفرحون إذا أصيبوا بشر فطلب التصويت منهم إذن لا جدوى فيه.

والجواب على السؤال الآخر: إن واجب المسلمين عند وقوع الاعتداء من الكفار أن يردوا الاعتداء بمثله ويدافعوا عن حقوقهم بلا خلاف وإن كان الأمر كذلك فإن استجداء الكفار بأن يصوتوا في صالح القضايا الإسلامية أمر عديم الفائدة ولا طائل تحته بل هو استجداء للمشركين وخضوع لهم ولعل واقع المسلمين المعاصر يصور لنا ذلك في أوضح الصور فالقضية الفلسطينية مثلًا ماذا استفادت من استجداء العرب لدول الكفر واستعطافهم لهم فكم من البيانات المشتركة والقرارات بين دول العالم الإسلامي وبين بعض دول الكفر التي صدرت تستنكر وتندد بشدة"ظاهريًا"بأعمال اليهود فإنها مهما قيل وادعى من حصول المكاسب من ورائها فهو هراء.

لهذا نقول إن طلب التصويت أمر غير مشروع لما عرفناه وواجب المسلمين تجاه حقوقهم المغتصبة والمنتهكة أن يوحدوا صفوفهم ويعيدوها بالجهاد ولا شيء غير ذلك" [251] ."

[249] سورة النساء، آية 139.

[250] سورة آل عمران، آية 120.

[251] الاستعانة ص 305 - 306.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت