لقد اتفق من يعتد بقوله من فقهاء الأمة وعلمائها على أنها لا تجوز إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب لا إقامة دائمة ولا مؤقتة ما عدا أن بعض العلماء يرى جواز إقامتهم ثلاثة أيام للضرورة، ولا يجوز لمسلم أن يأذن لهم في دخولها للإقامة. معتمدين على الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم والآثار الثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم. فمن تلك النصوص:
أولًا: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة" [48] .
وفي صحيح مسلم [49] من طريق أبي الزبير [50] أنه سمع جابر بن عبد الله يقول أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا" [51] .
وفي الصحيحين:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز" [52] .
ومنها ما رواه الإمام أحمد [53] في مسنده من طريق محمد بن إسحاق [54] قال حدثني صالح بن كيسان [55] عن الزهري [56] عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة [57] عن عائشة قالت:"كان آخر ما عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يترك بجزيرة العرب دينان" [58] .
وقال الإمام مالك [59] عن إسماعيل بن أبي حكيم [60] أنه سمع عمر ابن عبد العزيز يقول كان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال:"قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب"وحدثني مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب فأجلى يهود خيبر" [61] .
وروى البخاري [62] ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس [63] فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم: يا معشر يهود أسلموا تسلموا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال: ذلك أريد ثم قالها الثانية فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قال في الثالثة فقال: اعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله" [64] ."
هذه النصوص وغيرها مما لم أورده تدل دلالة قاطعة على أنه لا يجوز لليهود والنصارى وغيرهم من الكفار أن يبقوا في جزيرة العرب وهي كما ترى في مكان من حيث الصحة والصراحة ووضوح المعنى والإحكام بحيث لا يمكن الطعن فيها بالتضعيف أو التأويل أو دعوى النسخ وذلك أنها مخرجة في الصحيحين وبعضها في المسند وبعضها في السنن وقد اتفق العلماء على أن ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم رحمهم الله أنه يفيد العلم اليقيني لأن الأمة تلقته بالقبول والتصديق فلا مجال للطعن فيما اتفق عليه البخاري ومسلم [65] ، وأما عدم جواز تأويلها فذلك لأجل صراحة ألفاظها ووضوحها وكونها نصًا في الموضوع لا يحتمل لفظها معنى غير المعنى الظاهر منها وما كان كذلك فلا يصح تأويله عند علماء الأصول وغيرهم من العلماء إنما الذي يجوز تأويله من النصوص هو الذي يكون لفظه محتملًا لمعنيين فيرجح أحدهما لأجل قرينة تحف به [66] ، أما كونها محكمة وغير قابلة للنسخ فلأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر وأوصى بإخراجهم من جزيرة العرب في آخر حياته كما روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت:"كان آخر ما عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يترك بجزيرة العرب دينان" [67] . وكما قال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ:"أنه سمع عمر يقول:"كان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب" [68] . فإذا كان الأمر كذلك فدعوى النسخ غير واردة لمعرفة تأخر تأريخ تكلمه صلى الله عليه وسلم بذلك، وأيضًا فعمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلى اليهود من خيبر والنصارى من نجران بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان أمره صلى الله عليه وسلم بإخراجهم من الجزيرة منسوخًا لم يجلهم عمر، ولا يقال يمكن أن يخفى على عمر رضي الله عنه النسخ، كما يدل على هذا ما أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال: نقركم ما أقركم الله وإن عبد الله ابن عمر خرج إلى ماله هناك فَعُدِىَ عليه من الليل فَفُدِعَتْ يداه ورجلاه وليس لنا هناك عدو غيرهم هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد صلى الله عليه وسلم وعامَلنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلةً بعد ليلةٍ؟ فقال: كانت هذه هُزَيْله من أبي القاسم. فقال: كذبت يا عدو الله فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُرُوضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك" [69] .
[48] رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير رقم (3053) ، ومسلم في كتاب الوصية رقم (1637) .
[49] الإمام الكبير الحافظ الصادق أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن ورد، من بني قشير، ولد سنة 204 بنيسابور قال إسحاق الكوسج لمسلم: لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين سمع مسلم من أحمد بن حنبل والبخاري وابن معين وابن المديني وجمع غفير، وعنه الترمذي وابو بكر بن خزيمة وابن صاعد والسراج وجمع، له الصحيح، والعلل، والمسند الكبير، توفى رحمه الله سنة 261هـ، قيل بسبب سلة تمر أكل منها حتى فنيت ... تهذيب التهذيب 5/ 426، سير أعلام النبلاء 12/ 557، تذكرة الحفاظ 2/ 588، الأعلام 7/ 221.
[50] أبو الزبير: محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق إلا أنه يدلّس، مات سنة 126هـ. التقريب 6331.
[51] رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير رقم (1767) ، والترمذي في كتاب السير رقم (1606) .
[52] رواه البخاري في كتاب فرض الخمس رقم (3152) ، ومسلم في كتاب المساقاة رقم (1551) .
[53] أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، الإمام حقًا وشيخ الإسلام صدقًا، صاحب المذهب، ثقة حافظ فقيه حجة، ولد سنة 164هـ، أصله من مرو وكان أبوه والي سرَخس، جلد وسجن ليقول بخلق القرآن فصبر وامتنع، سمع من هُشيم وابن عيينة وغُندَر والشافعي وابن مهدي وغيرهم، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن معين وغيرهم، له المسند والناسخ والمنسوخ وفضائل الصحابة وغيرها، توفي رحمه الله سنة241هـ ... سير أعلام النبلاء 11/ 177، الأعلام 1/ 203، تقريب التهذيب ص98
[54] محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم، إمام المغازي، حسن الحديث إذا صرح بالتحديث وإلا هو مدلس، توفي سنة 151هـ. ميزان الاعتدال 3/ 468.
[55] صالح بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، روى له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة 140هـ. تهذيب التهذيب 2/ 537.
[56] أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري بن كلاب القرشي الحافظ الفقيه، متفق على = = جلالته وإتقانه ولد سنة 50هـ، وسمع من أنس بن مالك وسهل بن سعد ومحمود بن الربيع وأبي هريرة وجمع، وعنه عطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز وقتادة ويحيى بن سعيد وجمع، قيل إنه أول من دون الحديث، توفي رحمه الله في"شغْب"أول أعمال فلسطين سنة 124هـ ... سير أعلام النبلاء 5/ 326، التقريب رقم 6336.
[57] عبيد الله بن عبد الله بن عتبةة الهذلي مؤدب عمر بن عبد العزيز، روى له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة 98هـ ... تهذيب التهذيب 4/ 18.
[58] سبق تخريجه ص24.
[59] أبو عبد الله إمام دارالهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحمْيري ولد سنة 93هـ في المدينة، صاحب المذهب، كان صلبًا في دينه بعيدًا عن الأمراء والملوك، وجّه الرشيد إليه ليأتيه فيحدثه، فقال: العلم يؤتى، فقصد الرشيد منزله فاستند إلى الجدار، فقال مالك: يا أمير المؤمنين من إجلال رسول الله إجلال العلم، فجلس بين يديه. امتحن فضربه الوالي سياطًا حتى انخلعت كتفه، أخذ عن الزهري وابن دينار ونافع وربيعة وآخرون، وعنه يحيى بن سعيد وابن مهدي والشافعي وابن المبارك وآخرون توفي في المدينة رحمه الله سنة 179هـ.
تهذيب التهذيب 5/ 350، الأعلام 5/ 257، سير أعلام النبلاء 8/ 48
[60] إسماعيل بن أبي حكيم القرشي كان عاملًا لعمر بن عبد العزيز، ثقة روى له مسلم وغيره توفي سنة 130هـ. انظر: تهذيب التهذيب 1/ 184.
[61] سبق تخريجه ص24.
[62] أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعْفي البخاري حبر الإسلام، ولد سنة 194 ببخارى ونشأ يتيمًا وقد تعصب عليه جماعة فرموه بالتهم فأخرج إلى (خَرْتَنْك) فمات فيها، وكتابه الصحيح أول ما وضع في الإسلام بمثل طريقته، وقد عرضه على الإمام أحمد وابن معين وابن المديني كان يقول رحمه الله: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا، سمع من أحمد والترمذي ومن الذهْلي ويحيى بن يحيى وغيرهم، وعنه الترمذي وقد أكثر منه وأبو حاتم وابن أبي الدنيا وابن خزيمة وخلق، للبخاري (الصحيح)
(والأدب المفرد) (وخلق أفعال العباد) وغيرها، توفي رحمه الله سنة 256هـ.
طبقات الحنابلة 2/ 271، سير أعلام النبلاء 12/ 391، الأعلام 6/ 34، هدي الساري ص 7.
[63] بيت المدراس: هو البيت الذي يدرس فيه كتابهم.
انظر: فتح الباري 6/ 407.
[64] أخرجه البخاري في كتاب الإكراه رقم (6944) ' ومسلم في كتاب الجهاد والسير رقم (1765) .
[65] انظر: تيسير مصطلح الحديث ص43.
[66] انظر: نثر الورود شرح مراقي السعود، شرح الشيخ محمد الأمين الشنقيطي 1/ 329.
[67] رواه أحمد 10/ 144 بسند صحيح وانظر ص 24.
[68] رواه مالك في الموطأ من كتاب الجامع مرسلًا تنوير الحوالك 3/ 88، ويشهد له الحديث الذي قبله وقد سبق تخريجه ص24.
[69] رواه البخاري في كتاب الشرط رقم (2730) ، ومسلم في كتاب المساقاة رقم (1551) .