قبل الشروع في البحث لابد لي من تمهيد بين يديه تعرف من خلاله السبب الذي من أجله أوصى عليه الصلاة والسلام بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب ونهى عن الاستعانة بالكفار.
فأقول: أعلم وفقنا الله وإياك أنه منذ أشرق نور الإسلام في ربوع مكة المكرمة جُنَّ جنون أعداء الرسل من يهود ونصارى ومشركين ومنافقين فشمَّروا عن سواعدهم لمحاربة الإسلام ومعارضته وقاموا بحملات كلامية استهدفوا فيها شخص النبي صلى الله عليه وسلم حيث نعتوه بشتَّى نعوت الذم والعيب والتنقص ليشوهوا ما جاء به وينفروا عنه الناس فتارة قالوا ساحر ومرة قالوا شاعر وأخرى معلَّم مجنون وقالوا: مفترٍ ولكن الله سبحانه وتعالى ردَّ عليهم في كتابه العزيز ونفى كل هذه النعوت الكاذبة الحاقدة عن نبيه عليه الصلاة والسلام فقال {وما صاحبكم بمجنون} [5] وقال: {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} [6] . وقال: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} [7] . وقال: {إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلًا ماتؤمنون} [8] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي نزه الله بها نبيه عن تلك النعوت الكاذبة.
ولما لم تنجح هذه الأساليب في صد الناس عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام لجأوا إلى إيذاء أصحابه وأتباعه وتسلطوا عليهم بالتعذيب والإهانة والقتل أحيانًا رجاء أن يرجعوا عن اعتناقهم الإسلام واتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولما لم تكن هذه الأساليب ناجحة في صرف المسلمين عن اتباع نبيهم صلى الله عليه وسلم لجأ قتلة الأنبياء إلى محاولة القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم فتارة وضعوا له السُّم في الطعام ومرة سحروه وأخرى حاولوا إلقاء حجر عليه من شاهق غير أن هذه المحاولات الحاقدة باءت بالفشل حيث حمى الله نبيه وأطلعه على هذه المحاولات الشريرة التي استهدفت القضاء على النبي وعلى دين الإسلام الذي جاء به ولما استفحل أمرهم وعظم شرهم وتكرر نقضهم للعهود والمواثيق قاومهم النبي وجرت بينه وبينهم معارك عسكرية هي غزوة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وغزوة خيبر، وفي كل هذه المعارك انتصر الإسلام، وانهزم أعداء الله، وعندما فتح الله على نبيه خيبر صالح عليه الصلاة والسلام اليهود على البقاء فيها والعمل في أرضها بشطر ما يخرج منها ولكنه صُلْح جعل الخيار فيه للمسلمين بأن قال عليه الصلاة والسلام:"نقركم فيها ما شئنا" [9] . فمقتضى هذا الصلح أن للمسلمين الخيار، فمتى شاءوا أخرجوا اليهود وأنهوا الصلح معهم وهذه الصورة للصلح هي إحدى صورتين صالح فيهما النبي صلى الله عليه وسلم أعداءه، والأخرى صلْحه مع المشركين يوم الحديبية وهو صُلْح محدد بزمن معين ينتهي بانتهاء ذلك الزمن، أما غير هاتين الصورتين فلم يحصل صُلْح بين النبي وبين الكفار حسب علمي اللهم إلا أن يقال إنه عند قدومه صلى الله عليه وسلم للمدينة وادع اليهود وهذا صحيح ولكن وادعهم على ألا يعتدوا عليه ولا يعينوا عليه أحدًا مقابل بقائهم في قراهم ومزارعهم، أما صُلْح يتضمن تنازل المسلمين عن شيء من أراضيهم لليهود أو أحد من الكفار وتبقى ملك للعدو إلى الأبد ويكونون أصدقاء لهم ويعترفون بهم ويلغون مقاتلتهم وجهادهم فهذا لم يقع منه صلى الله عليه وسلم حسب ما علمت.
جرت هذه المعارك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود كما جرت بينه وبين النصارى معارك أخرى هي مؤتة وهي غزوة موجهة إلى نصارى العرب وغزوة تبوك الموجهة إلى الروم النصارى وما ذاك إلا لعلمه صلى الله عليه وسلم بخطرهم على الإسلام والمسلمين ثم جدد الأخطبوط - اليهود والنصارى - صراعهم بعد عهد النبوة فحاولوا القضاء على الخلافة الإسلامية بالجهود التي قام بها طاغوتهم وأشقاهم عبد الله بن سبأ [10] اليهودي فقد تآمروا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقتلوه، وتآمروا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان فخلعوه من الخلافة وقتلوه، ثم قتلوا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، ثم فيما بعد ما قام به النصارى الصليبيون في الداخل من التعاون مع أعداء الدين ضد المسلمين ثم ما قاموا به من حملات صليبية عسكرية استولوا بها على أجزاء من بلاد المسلمين حتى جاءت فتنة الاستعمار العسكري المباشر في القرن الماضي، ثم الغزو الفكري، ثم التغريب والتبعية، ثم العلمنة، واليوم يقومون بنفس الدور في محاربة الإسلام والمسلمين لكن بأسماء مختلفة وشعارات مخدرة بما يسمى بالنظام العالمي الجديد، ومظلة الأمم المتحدة، والشرعية الدولية، ومن تلك الأساليب ما يطلقونه على المجاهدين من ألقاب كالأصولية والإرهاب والتطرف والتشدد، فعادوا إلى المنطقة الإسلامية بأسماء مستعارة كالصداقة ومسمى التعاون أو الاستعانة أو إعادة الشرعية، والواقع أن اليهود والنصارى من أخطر أعداء الإسلام، ولذا جاء ذمهم كثيرًا في القرآن الكريم والسنة المطهرة والتحذير من شرورهم.
وفي الجملة فإن كل فساد وضلال وقع في العقيدة الإسلامية فاليهود والنصارى وراؤُه، فإذا تأملت ضلالة الخوارج [11] وبدعتهم وجدت أن وراءَها اليهود، لأن محدثها اليهودي الذي سمى نفسه عبد الله بن سبأ، وإذا تأملت بدعة الرفض [12] وجدت أن محدثها هو ابن سبأ، وإذا تأملت ضلالة القدرية [13] وجدت أن محدثها يهودي من يهود البصرة يقال له سوسن اليهودي [14] ، وإذا تأملت كفر الباطنية [15] وجدت أن محدثه ميمون بن ديصان اليهودي [16] ، وإذا تأملت بدعة الجهمية [17] وجدت أن سند الجهم بن صفوان [18] يتصل بلبيد بن الأعصم اليهودي [19] الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى المذاهب الكفرية المعاصرة، مثل الشيوعية [20] والبهائية [21] والقاديانية [22] وجدتَ أن محدثيها اليهود والنصارى، فإن إمام الشيوعية كارل ماركس [23] يهودي، والقاديانية والبهائية من صنع البريطانيين، أحدثوها في الهند وفارس ودعوا إليها وعملوا على نشرها في العالم الإسلامي.
وبهذا التمهيد المختصر تعرف الأسباب التي من أجلها أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، ونهانا أن نستعين بهم أو نركن إليهم، ولأن الاستعانة بهم تستلزم موالاتهم والركون إليهم واتخاذهم أولياء وأصدقاء.
قبل الكلام على حكم إجلاء اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب لا بد من بيان الجزيرة العربية وموقعها وحدودها وأهميتها والدول الواقعة فيها.
[5] سورة التكوير، آية 22.
[6] سورة الطور، آية 29.
[7] سورة يس، آية 69.
[8] سورة الحاقة، آية 40 - 41.
[9] الحديث رواه البخاري في كتاب المزارعة، رقم (2213) ، ومسلم في كتاب المساقاة، رقم (1551) .
[10] عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي يقال له: ابن السوداء، رأس الطائفة السبئية، وكانت تقول بألوهية علي، أصله من اليمن، كان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ولما بويع علي رضي الله عنه قام إليه ابن سبأ فقال له: أنت خلقت الأرض وبسطت الرزق. قال ابن حجر: ابن سبأ من غلاة الزنادقة، أحسب أن عليًا حرقه بالنار، هلك قريب سنة 40هـ. الفتاوى 28/ 428، الأعلام 4/ 88، عقائد الثلاث والسبعين فرقة 1/ 154.
[11] الخوارج: كل من خرج على الإمام الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا .. وقد اختلفوا هل علي بن أبي طالب رضي الله عنه كافر أو مشرك، وأجمعوا على أن الله سبحانه وتعالى يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا.
مقالات الإسلاميين ص86، الملل والنحل 1/ 132.
[12] هم الذين يرفضون إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويتبرأون منهما، ويسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتنقصونهم، ولما تَرحَّم على أبي بكرٍ وعمر زيدُ بن علي رفضته شيعته، فقال رفضتموني؟ فسموا رافضة، أما من لم يرفضه منهم سمي زيديًا. منهاج السنة 1/ 8، بذل المجهود لإثبات مشابهة الرافضة لليهود 1/ 87.
[13] القدرية: هم من نفا القدر عن الله سبحانه وتعالى، ونسبه إلى بني آدم خيره وشره، وان العبد هو الذي يخلق فعله، ويطلق القول بالقدر على المعتزلة، على الضد من الجبرية.
الملل والنحل 1/ 56.
[14] سوسن اليهودي: لم أجد له ترجمة فيما لدي من المصادر.
[15] الباطنية: زنادقة سموا بذلك لأنهم يقولون إن لكل شيء ظاهرًا وباطنًا، ولهم أسماء غير ذلك مثل الإسماعيلية والقرامطة ومنهم النصيرية والدروز، وهم يعتقدون أن الإله لا يوصف بوجود ولا عدم ولا معلوم ولا مجهول ومذهبهم قائم على استباحة المحظورات وإنكار الشرائع وإنكار القيامة وغير ذلك.
الملل والنحل 1/ 228، الفرق بين الفرق ص281، الفهرست ص238.
[16] ميمون بن ديصان: بن داود القدّاح، رأس الفرقة (الميمونية) من الإسماعيلية، كان يظهر التشيع ويبطن الزندقة، ولد نحو سنة 100هـ وهلك نحو سنة 170هـ.
انظر: الأعلام 7/ 341.
[17] الجهمية: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان، والجهمية تطلق أحيانًا بمعنى عام ويقصد بها نفاة الصفات عامة، وتطلق أحيانًا بالمعنى الخاص ويقصد بها متابعوا الجهم بن صفوان في آرائه وأهمها: نفي الصفات، والقول بالجبر، والقول بفناء الجنة والنار.
مقالات الإسلاميين 1/ 338، الفرق بين الفرق 199 - 200، الملل والنحل 1/ 97.
[18] الجهم بن صفوان السمرقندي أبو محرز، رأس الجهمية.
قال الذهبي: الضال المبتدع، هلك في زمن صغار التابعين، وقد زرع شرًا عظيمًا، كان يقضي في عسكر الحارث بن سريج الخارج على أمراء خرسان فقبض عليه نصر بن سيار وقتل سنة 128هـ، وانظر: ميزان الاعتدال 1/ 426، الأعلام 2/ 141.
[19] لبيد بن الأعصم: اليهودي حليف بني زريق، كان أعلم اليهود بالسحر والسموم، وقد جعل له اليهود ثلاثة دنانير ليسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من صلح الحديبية ففعل، وقصته مشهورة في كتب السنة والتفسير. انظر: البخاري رقم (5430) ومسلم رقم (2189) .
انظر: فتح الباري، كتاب الطب، باب السحر تحت حديث رقم (5763) .
[20] الشيوعية: مذهب وضعه اليهودي الروسي (كارل ماركس) وهو مذهب يقوم على الإلحاد، وأن المادة هي أساس كل شيء، وأن الدين مثل المخدرات، بل (أفيون الشعوب) ، وهم يدْعون إلى تغيير القيم الروحية والمثالية والتقاليد والمعاني الأخلاقية، وأنه لا خالق. انظر: كيف تعرفهم 106 - 108.
[21] البهائية: حركة نشأت سنة 1260هـ تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية، والاستعمار الانجليزي، بهدف إفساد العقيدة الإسلامية، وهي حركة قائمة على معتقد الحلول والاتحاد، والقول بالتناسخ، وخلود الكائنات ...
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ص63.
[22] القاديانية: حركة نشأت سنة 1900م بتخطيط من الاستعمار الانجليزي في القارة الهندية وكان من أبرز الشخصيات فيها، ميرزا غلام أحمد القادياني، وكان ينتمي إلى أسرة اشتهرت بخيانة الدين، وكان قد فتحت لهم اليهودية المراكز والمدارس ومكنتهم من طبع كتبهم ومجلاتهم ونشراتهم. انظر: الموسوعة الميسرة للأديان ص389.
[23] كارل ماركس: 1818 - 1883م: فيلسوف ألماني واجتماعي وثوري محترف، يهودي روسي حفيد الحاخام اليهودي (مردخاي ماركس) كان المؤسس الرئيسي لحركتين جماهيريتين هما: الاشتراكية والشيوعية، ولد ونشأ في إقليم (ترير) التابع لما كان يعرف باسم (بروسيا) وكان ماركس يعتقد أن الاقتصاد الحر يؤدي إلى تراكم الثروة مع إنفاقها بغير تعقل، وأن ذلك سينشر البؤس بين بني البشر، كان كاتبًا متعجرفًا له آراء متطرفة.
انظر: الموسوعة العربية العالمية 22/ 64، انظر: كيف تعرفهم ص106.