الصفحة 11 من 19

إن من الأسس التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية البعد عن الكفار ومعاداتهم وقطع الصلة بهم فلا يصح إيمان المرء حتى يوالي أولياء الله ويعادي أعداءَه ويتبرء منهم ولو كانوا أقرب قريب. قال سبحانه وتعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألاَ إن حزب الله هم المفلحون} [137] ، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنه لا يتحقق الإيمان إلا لمن تباعد عن الكفار المحادين لله ورسوله وبرىء منهم وعاداهم ولو كانوا أقرب قريب وقد أثنى سبحانه وتعالى على خليله إبراهيم حينما تبرأ من أبيه وقومه ومعبوداتهم حيث قال: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه لعلهم يرجعون} [138] وقد نهى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير قد كانت لكم أسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدًا} [139] .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية قال: يعني المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} الآية [140] ، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} [141] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا} [142] ، وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه} [143] ، ولهذا قَبِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عذرَ حاطب [144] ، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد، ثم قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم} [145] ، هذا مع ما قبله من التهيج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ولهذا قال تعالى: {أن تؤمنوا بالله ربكم} أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين كقوله تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} [146] ، وكقوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} [147] . وقوله تعالى: {إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي} أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم فلا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم وقوله تعالى: {تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} أي لو قدروا عليكم لما أبقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعل {وودوا لو تكفرون} أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيرًا، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهره فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضًا وقوله تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير} ، أي قرابتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما أسخط الله ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد ولو كان قريبًا إلى نبي من الأنبياء.

ثم قال رحمه الله تعالى: يقول تعالى لعباده المؤمنين الذي أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} [148] ، أي وأتباعه الذين آمنوا معه {إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم} أي تبرأنا منكم {ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} أي بدينكم وطريقكم {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا} يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم {حتى تؤمنوا بالله وحده} . أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتدعوا ما تعبدوه معه من الأوثان والأنداد"اهـ."

ويحسن أن نختم بحث الولاء والبراء بأبيات قالها الشيخ سليمان ابن سحمان [149] حيث قال رحمه الله:

وملة إبراهيم غُودر نهجها عفاءً فأضحتْ طامساتِ المعالم

وقد عدمت فينا وكيف وقد سفت عليها السوافي من جميع الأقالم

وما الدين إلا الحب والبغض والولا كذاك البَراء من كل غاوٍ وآثم

وليس لها من سالك متمسك بدين النبي الأبطحي ابن هاشم

فلسنا نرى ما حل بالدين وانمحتْ به الملة السمحاء إحدى القواصم

فنأسى على التقصير منّا ونلتجي إلى الله في محو الذنوب العظائم

فنشكوا إلى الله القلوب التي قست وران عليها كسب تلك المآثم

ألسنا إذا ما جاءنا متضمخ بأوضار أهل الشرك من كل ظالم

نهش إليهم بالتحية والثنا ونهرع في إكرامهم بالولائم

وقد برء المعصوم من كل مسلم يقيم بدار الكفر غيرُ مصارم

ولكنما العقل المعيشي عندنا مسالمة العاصين من كل آثم [150]

[137] سورة المجادلة، آية 22.

[138] سورة الزخرف، آية 26 - 27 - 28.

[139] سورة الممتحنة، آية 1 - 2 - 3 - 4.

[140] سورة المائدة، آية 51.

[141] سورة المائدة، آية 57.

[142] سورة النساء، آية 144.

[143] سورة آل عمران، آية 28.

[144] حاطب بن أبي بلتعة، أحد صحابة رسول الله r الذين شهدوا بدرًا.

[145] سورة الممتحنة، آية 1.

[146] سورة البروج، آية 8.

[147] سورة الحج، آية 40.

[148] سورة الممتحنة، آية 4.

[149] سليمان بن سحمان بن مصلح الخثعمي العالم الجليل من مواليد (تبالة) جنوب الجزيرة العربية سنة 1268هـ، كان أبوه عالمًا فلازمه، ثم انتقل إلى الرياض وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن حسن وعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وحمد بن عتيق وغيرهم، كان شاعرًا بارعًا وكان آية في الجدل والاستحضار وله في ذلك صولات وجولات في الذب عن حياض الدين ونصرة أهله. قرأ عليه الشيخ سليمان بن حمدان وعمر بن حسن وعبد الله العنقري وغيرهم، له الأسنة الحداد والصواعق المرسلة الشهابية وكشف شبهات البغدادي وغيرها. توفي رحمه الله تعالى سنة 1349هـ. روضة الناظرين للقاضي 1/ 135، الأعلام 3/ 126.

[150] ديوان سليمان بن سحمان، ص 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت