الصفحة 11 من 41

الباب الأول: في التحريض على الجهاد والحث عليه

ثم أتوجه بالخطاب إلى نفسي أولًا، أو بالذات وإليكم: أيها الإخوان، والسادات، فاصغوا آذانكم لما أقول، وتلقوه بالإذعان والقبول.

إن الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الله تعالى من أعظم العبادات البدنية، قد ورد الأمر به، والحث عليه في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية.

فمن الآيات:

* قوله تعالى حيث استنفر الأنام لجهاد أعدائهم اللئام ليجازيهم على ذلك بما وعدهم من عظيم جزائه:

(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة: 41] .

* وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الصف: 10] .

2 -قال أهل التفسير: لما نزلت هذه الآية قال المسلمون: لو علمنا هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال والأنفس. فبين اللهم لهم التجارة فقال:

(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [الصف: 11 - 12] [1] ، فطوبى لمن امتثل

(1) أخرج الترمذي في"سننه"برقم (3309) ، والدارمي برقم (2390) ، وابن أبي حاتم في"تفسيره"كما في"تفسير ابن كثير" (4/ 356 - ط. الحلبي) ، وابن أبي عاصم في"الجهاد"برقم (141) ، وابن حبان في"صحيحه"برقم (4575 - الإحسان) ، وبرقم (1589 - موارد الظمآن) ، والحاكم في"المستدرك" (2/ 69، 70، 228، 229، 486، 487) ، والبيهقي في"الكبرى" (9/ 159 - 160) ، والواحدي في"أسباب النزول" (ص 319 - ط. المتنبي) ، وابن كثير في"تفسيره" (4/ 357) ، ورواه الدارمي أيضًا في"جزء فيه موافقاته"برقم (21 - مخطوط بدار الكتب) . رووه من طرق عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال:"جلست في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه سلم فقلت: أيكم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا. . . .) ."

وقال الترمذي:"وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي. وروى ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء ابن يسار عن عبد الله بن سلام، أو عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام."

وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير"أ. هـ."

وقال الحاكم:

"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأكبر ظني أن الذي حملهما على تركه رواية المقل بن زياد بخلاف رواية الوليد بن مسلم وغيره". ووافقه الذهبي.

قلت: الحديث مداره على الأوزاعي، وقد اختلف الرواة عليه:

1 -فرواه ابن المبارك عنه قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني هلال بن أبي ميمونة أن عطاء بن يسار حدثه أن عبد الله بن سلام حدثه، أو قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سلام به.

أخرجه ابن المبارك في"الجهاد"برقم (1) ، وأحمد (5/ 452) من طريق ابن المبارك به وقد اختلف على ابن المبارك أيضًا. فقد خالف من تقدم يحيى بن آدم ابن سليمان أبو زكريا الكوفي.

فرواه عن ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وعن عطاء ابن يسار عن أبي سلمة عن ابن سلام به.

أخرجه أحمد في"المسند" (5/ 452) قال: حدثنا يحيى بن آدم به.

وقلت: ويحيى بن آدم ثقة وحافظ فاضل كما قال الحافظ في"التقريب".

وهذا الاختلاف على ابن المبارك يوهن روايته، لا سيما وقد خولف في كلا الإسنادين كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

وقد توبع على ابن المبارك للرواية الأولى، فتابعه المقل بن زياد: فرواه عن الأوزاعي به بالشك أيضًا.

أخرجه الحاكم (2/ 69) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح المصري قال: حدثنا المقل به.

وهذا سند ضعيف. عبد الله بن صالح هو كاتب الليث بن سعد الإمام. معروف أمره. بضعفه المشهور.

وقد خالف ابن المبارك ومقل جماعة من أصحاب الأوزاعي، فرووه عنه، عن يحيى عن أبي سلمة عن ابن سلام بدون شك.

أولهم: أبو إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمد، وهو ثقة حافظ.

أخرجه الحاكم في"المستدرك" (2/ 70، 486، 487) ، والبيهقي في"الكبرى" (9/ 160) .

الثاني: الوليد بن مسلم: وهو ثقة.

أخرجه ابن حبان في"الصحيح"برقم (1589 - موارد) ، والحاكم (2/ 69) .

الثالث: الوليد بن يزيد، وهو ثقة ثبت.

أخرج حديثه ابن أبي حاتم في"تفسيره"كما في"تفسير ابن كثير" (4/ 356) ، والحاكم (2/ 486 - 487) ، والبيهقي في"الكبرى من سننه" (9/ 159) .

الرابع: محمد بن كثير، وهو صدوق كثير الغلط، ولكنه متابع كما هو واضح بثقات.

أخرج حديثه الدارمي (2390) ، والترمذي (3309) ، والحاكم (2/ 69) ، والواحدي في"أسباب النزول" (ص 319) .

ومما يتبين لكل ذي لب أن رواية الجماعة أشبه بالصواب من رواية ابن المبارك والمقل.

والحديث صحيح والحمد لله تعالى.

تنبيه:

يعرف هذا الحديث عند علماء الحديث بالحديث المسلسل بقراءة سورة الصف. وما من عالم إلا وقد أخرجه مسندًا، منهم الإمام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (14/ 20) ، والحافظ ابن كثير كما تقدم (4/ 357) ، والزبيدي في"شرح إحياء علوم الدين" (3/ 412، 413، 414) ، والسيوطي في"الدر المنثور" (6/ 212، وما من عالم إلا وأورده اقتداء بمن قبله ومنهم كذلك الشيخ مساعد الحميد في"تحقيقه لكتابه الجهاد"لابن أبي عاصم"(1/ 404، 405) ، وكذلك الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى الفاداني المكي في"العجالة في الأحاديث المسلسلة" (ص 22، 23 - ط. دار البصائر) ."

قال أبو الفيض محمد ياسين بن محمد عيسى الفاداني المكي قال: أنا بها - أي سورة الصف - جمع من الأئمة منهم: الشيخ عمر حمدان المحروسي، والشيخ خليفة بن حمد البنهاني، والشيخ علي بن فالح الظاهري، عن والد الآخر الشيخ فالح بن محمد الظاهري المدني، عن الشريف محمد بن علي السنوسي الخطابي عن علي الميل الأزهري، عن السيد مرتضى الزبيدي، عن نور الدين أبي الحسن بن مكرم الله العدوى، عن الشمس محمد بن علاء الدين البابلي، عن أحمد بن محمد الشلبي الحنفي، عن النجم محمد بن أحمد الغيطي، عن الشيخ زكريا الأنصاري، عن الحافظ أبي النعيم رضوان بن محمد العقبى، أنا أبو إسحاق التنوخي، أنا أحمد بن أبي طالب، أنا أبو المنَجّا بن عمر اللتي، أنا أبو الوقت السجزي، أنا أبو الحسن الداودي، أنا أبو محمد السرخسي، أنا أبو عمران السمرقندي، أنا أبو محمد الدارمي في"مسنده"أنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى هو - ابن أبي كثير - عن أبي سلمة هو - ابن عبد الرحمن بن عوف - عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أقرب. . . . الحديث.

ثم قال الشيخ الفاداني:

"قال ابن الطيب: هذا حديث صحيح متصل الإسناد، والتسلسل، ورجال إسناده ثقات، بل قال بعض الحفاظ: هو أصح حديث وقع لنا مسلسلًا وأصح مسلسل يُروى في الدنيا"أ. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت