الصفحة 12 من 41

أمر مولاه، وأطاعه في جميع ما من به عليه، وأولاه، وباع منه نفسه الخسيسة، بنيل الدرجات، والحصول على أعظم المثوبات، وعمل على الوفاء بكريم عهده، وبذل في مرضاته ما ملكه تصديقًا لصادق وعده إذ قال تعالى:

* (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 111] [1] ، فيا لها من يبعة ما أعظم ربح صفقتها، ويا لها من تجارة ما أسرع نجح نفقتها.

ربحت والله أيها البائع في بيع ما أحل لك بيعة بما عنده من الودائع، وحصلت على الأكسير الأعظم الذي لا يخاف نفاده، ولا ينقطع إمداده كيف والشهداء مخصوصون بدرجات عالية، ومقامات سامية، أجسامهم لا تبلى وأرواحهم عند المليك الأعلى في النعيم الدائم يتنقلون، وبرضى مولاهم يستبشرون، لا يخافون فتنة القبور، ولا يخزيهم الفزع الأكبر يوم ينفخ في الصور.

* قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) [2] .

(1) ولهذه الآية سبب في نزولها.

انظر:"أسباب النزول"للواحدي (ص 196 - 197) ، و"تفسير ابن كثير" (2/ 391) ، و"لباب النقول في أسباب النزول) للسيوطي (1/ 198 - 199 - هامش تفسير الجلالين - ط. الحلبي) ."

(2) آل عمران: 169.

ولهذه الآية سبب في نزولها.

فقد أخرج أحمد (1/ 266) ، وأبو داود رقم (2520) ، وبقي بن مخلد كما في"التمهيد"لابن عبد البر (11/ 61) ، وابن أبي عاصم في"الجهاد"برقم (92) ، وأبو يعلى في"مسنده" (4/ 219) ، والآجرى في"الشريعة" (ص 392) ، والحاكم (2/ 88) ، والبيهقي في"الكبرى" (9/ 163) ، وفي"دلائل النبوة" (3/ 304) ، وفي"الأسماء والصفات" (2/ 100 - 101) ، وفي"إثبات عذاب القبر"برقم (336، 337) ، وفي"البعث والنشور"برقم (201) ، والواحدي في"أسباب النزول" (ص 94 - 95) من طريق عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لما أصيب إخوانكم بأحد، وجعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء نرزق أن لا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، قال: فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله: (ولا تحسبن الذين قتلوا. . . .) (الآية) ."

وقال الحاكم:

"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

قلت: وفي قولهما نظر عريض، فالسند فيه محمد بن إسحاق، وأبي الزبير، وهما مدلسان، وقد عنعناه كما نرى، فالسند ضعيف.

وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا بسند صحيح:

فأخرجه عبد الرزاق في"المصنف"برقم (9557) ، وسعيد بن منصور في"سننه"برقم (2561) ، والبيهقي في"البعث والنشور"برقم (200) من طريق سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول:"أرواح الشهداء تحول في طير خضر تعلق من ثمر الجنة".

وفي الباب عن: ابن مسعود رضي الله عنه:

أخرجه مسلم (1887 - الإمارة) ، والترمذي برقم (3011) ، وابن ماجه برقم (2801) ، والطيالسي في"مسنده" (291) ، وعبد الرزاق في"مصنفه"برقم (9554) ، وابن جرير في"تفسيره"برقم (8218 - ط. شاكر) ، والحميدي برقم (120) ، وسعيد بن منصور في"سننه"برقم (2559) ، وهناد في"الزهد"برقم (154) ، والدارمي برقم (2415) ، وغيرهم من طرق عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآيات. . .

قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال:

"أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا. ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا مِنْ أن يسألوا: قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا".

وفي الباب عن: أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت