وينبغي للمريد أن تكون له في كل شيء نية لله تعالى حتى في أكله وشربه وملبوسه، فلا يلبس إلا لله ولا يأكل إلا لله ولا يشرب إلا لله ولا ينام إلا لله، لأنّ هذه كلها أرفاق أدخلها على النفس إذا كانت لله لا تستعصي النفس وتجيب إلى ما يراد منها من المعاملة لله والإخلاص، وإذا دخل في شيء من رفق النفس لا لله بغير نية صالحة صار ذلك وبالًا عليه. وقد ورد في الخبر «مَنْ تَطَيَّبَ لله تَعَالَى جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ الأَذْفَرِ، وَمَنْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ» .
وقيل: كان أنس يقول: طيبوا كفي بمسك، فإنّ ثابتًا يصافحني ويقبل يدي وقد كانوا يحسنون اللباس للصلاة متقربين بذلك إلى الله بنيتهم: فالمريد ينبغي أن يتفقد جميع أحواله وأعماله وأقواله ولا يسامح نفسه أن تتحرك بحركة أو تتكلم بكلمة إلا لله تعالى، وقد رأينا من أصحاب شيخنا من كان ينوي عند كل لقمة ويقول بلسانه أيضًا: آكل هذه اللقمة لله تعالى، ولا ينفع القول إذا لم تكن النية من القلب؛ لأن النية عمل القلب، وإنما اللسان ترجمان؛ فما لم تشتمل عليه عزيمة القلب لله لا تكون نية.
ونادى رجل امرأته وكان يسرح شعره فقال: هاتي المدري، أراد الميل ليفرق شعره، فقالت له امرأته: أجيء بالمدري والمرآة، فسكت ثم قال: نعم، فقال له من سمعه: سكت وتوقفت عن المرآة ثم قلت نعم؛ فقال: إني قلت لها هات المدري بنية، فلما قالت: والمرآة لم يكن لي في المرآة نية، فتوقفت حتى هيأ الله تعالى لي نية، فقلت نعم، وكل مبتدئ لا يحكم أساس بدايته بمهاجرة الألاّف والأصدقاء والمعارف ويتمسك بالوحدة لا تستقر بدايته.
وقد قيل: من قلة الصدق كثرة الخلطاء، وأنفع ماله لزوم الصمت وأن لا يطرق سمعه كلام الناس؛ فإن باطنه يتغير ويتأثر بالأقوال المختلفة، وكل من لا يعلم كمال زهده في الدنيا وتمسكه بحقائق التقوى لا يعرفه أبدًا، فإن عدم معرفته يفتح عليه خيرًا، وبواطن أهل الابتداء كالشمع تقبل كل نقش، وربما استضر المبتدئ بمجرد النظر إلى الناس، ويستضر بفضول النظر أيضًا وفضول المشي، فيقف من الأشياء كلها على الضرورة، فينظر ضرورة؛ حتى لو مشى في بعض الطريق يجتهد أن يكون نظره إلى الطريق الذي يسلكه لا يلتفت يمينه ويساره، ثم يتقي موضع نظر الناس إليه وإحساسهم منه بالرعاية والاحتراز؛ فإن علم الناس منه بذلك أضر عليه من فعله، ولا يستحقر فضول المشي، فإن كل شيء من قول وفعل ونظر وسماع خرج عن حد الضرورة جر إلى الفضول، ثم يجر إلى تضييع الأصول.