فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 148

سئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن الغم والغضب؟ قال: مخرجهما واحد واللفظ يختلف، فمن نازع من يقوى عليه أظهره غضبًا، ومن نازع من لا يقوى عليه كتمه حزنًا.

والحرد: غضب أيضًا ولكن يستعمل إذا قصد المغضوب عليه، وإن كان الغضب على من يشاكله ويماثله ممن يتردد في الانتقام منه يتردد القلب بين الانقباض والانبساط فيتولد منه الغل والحقد ولا يأوي مثل هذا إلى قلب الصوفي. قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} (الأعراف: الآية 43)

وسلامة قلب الصوفي وحاله يقذف زبد الغل والحقد كما يقذف البحر الزبد، لما فيه من تلاطم أمواج الأنس والهيبة، وإن كان الغضب على من دونه ممن يقدر على الانتقام منه ثار دم القلب، والقلب إذا ثار دمه يحمر ويقسو ويتصلب وتذهب عنه الرقة والبياض. ومنه تحمر الوجنتان، لأن الدم في القلب ثار وطلب الاستعلاء وانتفخت منه العروق، فظهر عكسه وأثره على الخد، فيتعدى الحدود حينئذ بالضرب والشتم، ولا يكون هذا في الصوفي إلا عند هتك الحرمات والغضب لله تعالى؛ فأما في غير ذلك فينظر الصوفي عند الغضب إلى الله تعالى، ثم تقواه تحمله على أن يزن حركته وقوله بميزان الشرع والعدل، ويتهم النفس بعدم الرضا بالقضاء.

قيل لبعضهم: من أقهر الناس لنفسه؟ قال: أرضاهم بالمقدور.

وقال بعضهم: أصبحت وما لي سرور إلا مواقع القضاء.

وإذا اتهم الصوفي النفس عند الغضب تداركه العلم، وإذا لاح علم العلم قوي القلب وسكنت النفس وعاد دم القلب إلى موضعه ومقره واعتدل الحال وغاضت حمرة الخد وبانت فضيلة العلم. قال عليه السلام: «السَّمْتُ الحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» .

وروى حارثة بن قدامة قال: قلت يا رسول الله أوصني وأقلل لعلي أعيه، قال: «لا تَغْضَبْ» فأعاد عليه، كل ذلك يقول: «لا تَغْضَبْ» قال عليه السلام: «إِنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ النَّارِ» ألم تنظروا حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، من وجد ذلك منكم فإن كان قائمًا فليجلس، وإن كان جالسًا فليضطجع».

أخبرنا ضياء الدين عبد الوهاب بن علي قال أخبرنا أبو الفتح الهروي، قال أخبرنا أبو نصر الترياقي قال أخبرنا الجراحي، قال أخبرنا المحبوبي، قال أخبرنا أبو عيسى الترمذي، قال حدثنا محمد بن عبد الله، قال حدثنا بشر بن المفضل عن قرة بن خالد عن أبي حمزة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما الله تَعَالَى: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت