وقال بعضهم: أخذ الفقير الصدقة ممن يعطيه لا ممن تصل إليه على يده.
ومن قبل من الوسائط فهو المترسم بالفقر مع دناءة همته، أنبأنا شيخنا ضياء الدين أبو النجيب السهروردي قال: أخبرنا عصام الدين أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور الصفار، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن خلف الشيرازي، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت أن أبا سليمان الداراني كان يقول: آخر أقدام الزاهدين أول أقدام المتوكلين، روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحدًا شيئًا حتى يأتيني رزقي فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعًا لم يأته شيء حتى كاد أن يتلف فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك فألهمه الله تعالى في قلبه وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس؛ فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاءه هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك فسمع هاتفًا أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أن يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بأيدي القدرة فالواقف مع الفتوح استوى عنده أيدي الآدميين وأيدي الملائكة، واستوى عنده القدرة والحكمة وطلب القفار والتوصل إلى قطع الأسباب من الارتهان برؤية الأسباب وإذا صح التوحيد تلاشت الأسباب في عين الإنسان.
أخبرنا شيخنا، قال: أخبرنا أبو حفص عمر قال: أخبرنا أحمد بن خلف قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان العكبري، قال: سمعت أحمد بن محمود بن اليسري يقول: سمعت محمدًا الإسكاف يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين، قال بعض المنقطعين كنت ذا صنعة جليلة فأريد مني تركها فحاك في صدري من أين المعاش؟ فهتف بي هاتف لا أراه تنقطع إلي وتتهمني في رزقك على أن أخدمك وليًا من أوليائي أو أسخر لك منافقًا من أعدائي، فلما صح حال الصوفي وانقطعت أطماعه وسكنت عن كل تشوف وتطلع خدمته الدنيا، وصلحت له الدنيا خادمة وما رضيها مخدومة، فصاحب الفتوح يرى حركة النفس بالتشوف جناية وذنبًا.
روي أن أحمد ابن حنبل خرج ذات يوم إلى شارع باب الشام فاشترى دقيقًا ولم يكن في ذلك الموضع من يحمله فوافى أيوب الحمال فحمله ودفع إليه أحمد أجرته، فلما دخل الدار بعد إذنه له اتفق أن أهل الدار قد خبزوا ما كان عندهم من الدقيق وتركوا الخبز على السرير ينشف فرآه أيوب وكان يصوم الدهر، فقال أحمد لابنه صالح ادفع إلى أيوب من الخبز فدفع له رغيفين فردهما، قال أحمد: ضعهما ثم صبر قليلًا ثم قال خذهما فالحقه بهما فلحقه فأخذهما فرجع صالح متعجبًا فقال له أحمد: عجبت من رده وأخذه؟ قال نعم، قال هذا رجل صالح فرأى الخبز فاستشرفت نفسه إليه فلما أعطيناه مع الاستشراف رده ثم أيس فرددناه إليه بعد الإياس فقبل.
هذا حال أرباب الصدق إن سألوا سألوا بعلم وإن أمسكوا عن السؤال أمسكوا بحال، وإن قبلوا قبلوا بعلم فمن لم يرزق حال الفتوح فله حال السؤال والكسب بشرط العلم فأما السائل مستكثرًا فوق الحاجة لا في وقت الضرورة فليس من الصوفية بشيء. سمع عمر رضي الله عنه سائلًا يسأل فقال لمن عنده ألم أقل لك عشِّ السائل؟ فقال: قد عشيته؛ فنظر عمر فإذا تحت إبطه مخلاة مملوءة خبزًا؛ فقال عمر: ألك عيال؟ فقال: لا، فقال عمر: لست بسائل ولكنك تاجر، ثم نثر مخلاته بين يدي أهل الصدقة وضربه بالدرة.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن لله تعالى في خلقه مثوبات فقر وعقوبات فقر، فمن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن خلقه ويطيع ربه ولا يشكو حاله ويشكر الله تعالى على فقره، ومن علامة الفقر إذا كان عقوبة أن يسوء خلقه ويعصي ربه ويكثر الشكاية ويتسخط للقضاء فحال الصوفية حسن الأدب في السؤال، والفتوح والصدق مع الله على كل حال كيف تقلب.