فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 111

{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ...(22)}

[تأويل آية أصحاب الكهف]

قال الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا: رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} .

فخبّر كما ترى عن دعائهم وإخلاصهم، ثمّ قال جلّ وعزّ: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً} ، ثمّ قال عزّ وجلّ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً. وَرَبَطْنَا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} ثم قال: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَتَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} ثمّ قال بعد هذه الصّفة لحالهم، والتمكين لهم من قلوب السّامعين، والأعجوبة التي أتاهم بها: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} ثمّ قال: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} فخبّر أنّهم لم يستصحبوا من جميع من يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئا غير الكلب، فإنّ ممّا يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئا غير الكلب، فإنّ ممّا يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه: الفرس والبعير والحمار والبغل، والثّور والشاة، والحمام والدّيكة، كلّ ذلك مما يرتفق به ويستصحب في الأسفار، وينقل من بلد إلى بلد.

والناس يصطادون بغير الكلب، ويستمتعون بأمور كثيرة، فخبّر عنهم بعد أن جعلهم خيارا أبرارا، أنّهم لم يختاروا استصحاب شيء سوى الكلب، وليس يكون ذلك من الموفّقين المعصومين المؤيّدين، إلّا بخاصّة في الكلب لا تكون في غيره.

ثمّ أعاد ذكر الكلب، ونبّأ عن حاله، بأن قال عزّ وجلّ: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً. سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ. فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً} وفي قولهم في الآية {ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} دليل على أنّ الكلب رفيع الحال، نبيه الذكر، إذ جعل رابعهم، وعطف ذكره على ذكرهم، واشتقّ ذكره من أصل ذكرهم، حتّى كأنّه واحد منهم، ومن أكفائهم أو أشباههم أو ممّا يقاربهم. ولولا ذلك لقال: سيقولون ثلاثة معهم كلب لهم. وبين قول القائل معهم كلب لهم، وبين قوله {رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ}

فرق بيّن وطريق واضح.

فإن قلتم: هذا كلام لم يحكه الله تعالى عن نفسه، وإنّما حكاه عن غيره، وحيث يقول: {ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} وقد صدقتم، والصّفة على ما ذكرتم لأنّ الكلام لو كان منكرا لأنكره الله تعالى، ولو كان معيبا لعابه الله، فإذ حكاه ولم يعبه، وجعله قرآنا وعظّمه بذلك المعنى، ممّا لا ينكر في العقل ولا في اللغة، كان الكلام إذا كان على هذه الصفة مثله إذ كان الله عزّ وجلّ المنزل له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت