فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 111

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ...(3)}

قال: وسأل سائلون في تحريم الخنزير عن مسألةٍ؛ فمنهم من أراد الطّعن، ومنهم من أراد الاستفهام، ومنهم مَنْ أحبَّ أن يعرف ذلك من جهة الفُتيا؛ إذْ كان قولُه خلافَ قولنا.

قالوا: إنَّمَا قال اللّه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ، فذكر اللَّحمَ دونَ الشّحم، ودونَ الرَّأس، ودونَ المخِّ، ودونَ العصَب، ودون سائرِ أجزائه؛ ولم يذكره كما ذكر المَيْتة بأسرها، وَكذلك الدَّم؛ لأنَّ القول وقع على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بِلفظٍ واحد، وهو العموم، وليس ذلك في الخنزير؛ لأنّه ذكر اللّحم من بين جميع أجزائه وليس بين ذِكْر اللَّحْم والعظْم فرق، ولا بينَ اللَّحْمِ والشَّحم فرق، وقد كان ينبغي في قياسكُمْ هذا لو قال: حرِّمت عَلَيْكُمُ الميتَةُ والدَّم وشَحْم الخنزير، أن تحرِّموا الشحم، وإنَّما ذكر اللَّحم، فلِمَ حرّمتم الشحم؛ وما بالُكُمْ؛ تحرِّمونَ الشّحم عند ذكْر غيرِ الشّحم فهلاّ حرَّمتم اللَّحم بالكتاب، وحرَّمتم ما سِواه بالخبر الذي لا يُدْفَع؟ فإن بقيَتْ خصلةٌ أو خَصلتانِ ممَّا لم تُصيبوا ذِكْره في كتابٍ منَزَّل، وفي أثَرٍ لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل، قُلنا: إنّ النَّاس عاداتٍ، وكلامًا يعرِّف كل شيءٍ بموضعه، وإنما ذلك على قدْر استعمالهم له، وانتفاعهم به، وقد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدِّينارِ لحمًا، أو بهذه الدراهم، فيأتيهِ باللّحم فيهِ الشّحم والعظْم، والعِرق والعصب والغُضروف، والفُؤَاد والطِّحالُ، والرِّئة، وببعض أسقاط الشاة وحشو البطن، والرأس لحمٌ، والسَّمك أيضًا لحم، وقال اللّه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} ، فَإنْ كانَ الرَّسول ذهب إلى المستعمَل من ذلك، وترَكَ بَعْضَ ما يقع عليهِ اسمُ لحم، فقد أخذَ بما عَلَيْهِ صاحبه، فإذا قال حَرَّمتُ عَلَيْكُمْ لحمًا، فكأَنّه قال: لحم الشّاة والبقرة والجزور، ولو أنّ رجُلًا قال: أكلت لحما وإَنمَا أكل رأسًا أو كبدًا أو سمكًا لم يكنْ كاذبًا، وللنّاس أن يضعُوا كلامَهم حيثُ أحَبُّوا، إذا كان لهم مجازٌ؛ إلاَّ في المعامَلات، فإنْ قُلت: فما تقول في الجلدِ؟ فَلَيس للخنزير جلد، كما أنّه ليس للإنسان جلدٌ إلاّ بقطع ما ظهر لك منه بما تحتَه، وإنّما الجلْد ما يُسْلخُ ويُدْحَس فيتبرأ ممَّا كان بِه مُلتزقًا ولم يكن مُلتحمًا، كفرق ما بين جلد الحَوْصَلة والعِرْقين.

فإنْ سألتَ عن الشَّعر، وعن جلد المنْخَنِقة والمَوقُوذةِ والمتردِّيَة والنَّطِيحة وما أكل السَّبُعُ، فإنِّي أزعم أنّ جلدهُ لاَ يُدْبَغ وَلاَ يَنْتَفِعُ بِه إلاّ الأساكفة، والقول في ذلك أنّ كلَّهُ محرّم، وإنما ذلك كقوله تعالى: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} وكَقَوْله عَزَّ وجَلَّ: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} والعَربُ تقُول للرَّجُل الصانع نجَّارًا، إن كان لاَ يعمل بالمِثْقَبِ والمنشار ونحوه ولاَ يضرب بالمضلع ونحو ذلك، وتسميِّه خبَّازا إذا كان يطبخ ويعجن، وتسمِّي العِيرَ لطيمة، وإن لم يكن فيها ما يحمل العِطْر إلاّ واحد، وتقول: هذه ظُعُنُ فُلاَنٍ؛ للهوادج إذا كانت فيها امرأةٌ واحدة، ويقال: هولاء بنو فُلان؛ وإن كانت نساؤهم أكثرَ من الرجال، فلما كان اللحم هو العمود الذي إليه يُقْصَد، وصار في أعظم الأجزاء قَدْرًا، دَخَل سائرُ تلك الأجزاءِ في اسمهِ، ولو كان الشّحمُ معتزلًا من اللّحم ومفْرَدًا في جميع الشِّحام، كشحوم الكُلى والثُّروب، لم يجزْ ذلك، وإذا تكلمَتْ على المفردات لم يكن المخُّ لحمًا، لا الدِّماغ، ولا العظم، ولا الشّحم، ولا الغُضروف، ولا الكروش، ولا مَا أَشبه ذلك، فلما قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} وكانت هذه الأشياء المشبَّهة باللَّحم تدخُل في باب العموم في اسم اللحم، كان القَوْلُ واقعًا على الجميع.

وقال الشاعر:

مَنْ يَأْتِنَا صُبحًا يريدُ غَدَاءَنَا ... فالهَامُ مَنْضَجَةٌ لَدَى الشَّحَّامِ

لحمٌ نَضِيجٌ لاَ يُعنِّي طابخًا ... يُؤْتَى به مِنْ قَبْلِ كلِّ طعامِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت