والكلاب أصناف لا يحيط بها إلّا من أطال الكلام. وجملة ذلك أنّ ما كان منها للصيد فهي الضّراء، وواحدها ضروة، وهي الجوارح والكواسب، ونحن لا نعرفها إلّا السّلوقيّة وهي من أحرار الكلاب وعتاقها، والخلاسية هجنها ومقاريفها. وكلاب الرعاء من زينيّها وكرديها فهي كرادتها.
وقد تصيد الكلاب غير السّلوقيّة، ولكنّها تقصّر عن السّلوقيّة بعيدا.
وسلوق من أرض اليمن كان لها حديد جيّد الطبع، كريم العنصر حرّ الجوهر. وقد قال النابغة: [من الطويل]
تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
وقال الأصمعيّ: سمعت بعض الملوك وهو يركض خلف كلب وقد دنا خطمه من عجب ذنب الظبي وهو يقول: إيه فدتك نفسي!! وأنشد لبعض الرجاز: [من الرجز]
مفدّيات وملعّنات
قال صاحب الديك: فلمّا صار الكلب عندهم يجمع خصال اللؤم والنّذالة، والحرص والشّره، والبذاء والتسرّع وأشباه ذلك، صاروا يشتقّون من اسمه لمن هجوه بهذه الخصال. وقال بشّار: [من الكامل]
واستغن بالوجبات عن ذهب ... لم يبق قبلك لامرئ ذهبه
يرد الحريص على متالفه ... والليث يبعث حينه كلبه
اعلم أنّ الكلب إذا عاين الظّباء، قريبة كانت أو بعيدة، عرف المعتلّ وغير المعتل وعرف العنز من التّيس. وهو إذا أبصر القطيع لم يقصد إلّا قصد التّيس وإن علم أنّه أشدّ حضرا، وأطول وثبة، وأبعد شوطا ويدع العنز وهو يرى ما فيها من نقصان حضرها وقصر قاب خطوها، ولكنّه يعلم أنّ التّيس إذا عدا شوطا أو شوطين حقب ببوله!!.