وقال صاحب الكلب: لسنا ننكر خصال الدّيك ومناقبه من الأخبار المحمودة، ولولا ذلك ما ميّلنا بينه وبين الكلب. ومن يميّل بين العسل والخلّ في وجه الحلاوة والحموضة؟! وكيف يفضل شيء على شيء وليس في المفضول شيء من الفضل؟! والذي قلتم من قذقه الحبّ قدّام الدّجاج صحيح. وليس هذا الذي أنكرنا، وإنّما أنكرنا موضع المثل الذي صرفتموه إلى حجّتكم، وتركتم الذين ما زال الناس يقلّدونهم في الشاهد والمثل. وإن جاز لكم أن تردّوا عليهم هذا المثل جاز لكلّ من كره مثلا أو شاهدا أن يردّ عليهم كما رددتم، وفي ذلك إفساد أمر العرب كله.
فإن زعمت أنّ الديك، كان أحقّ به، فخصومك كثير ولسنا نحيط بأوائل
كلامهم، على أيّ مقادير كانوا يضعونها، ومن أيّ شيء اشتقّوها، وكيف كان السبب. وربّ شيء أنكرناه فإذا عرفنا سببه أقررنا به.
وقال أبو الحسن: مر إياس بن معاوية بديك ينقر حبّا ولا يفرقه، فقال: ينبغي أن يكون هذا هرما، فإنّ الهرم إذا ألقي له الحبّ لم يفرقه ليجتمع الدجاج حوله.
والهرم قد فنيت رغبته فيهنّ، فليس همّه إلّا نفسه.
ورووا عنه أنّه قال: اللافظة الديك الشابّ، وإنّه يأخذ الحبّة يؤثر بها الدّجاج، والهرم لا يفعل ذلك، وإنّما هو لافظة مادام شابّا.
وقال صاحب الكلب: وذكر ابن سيرين عن أبي هريرة: «أن كلبا مرّ بامرأة وهو يلهث عند بئر، فنزعت خفّها فسقته، فغفر الله تعالى لها» .
وعنه قال: «غفر الله لبغيّ أو لمؤمنة مرّ بها كلب فنزعت خفّها فسقته» .
وقال صاحب الكلب: وقال ابن داحة: ضرب ناس من السّلطاء جارا لهم، ولبّبوه وسحبوه وجرّوه، وله كلب قد ربّاه، فلم يزل ينبح عليهم ويشقّق ثيابهم، ولولا أنّ المضروب المسحوب كان يكفّه ويزجره، لقد كان عقر بعضهم أو منعه منهم.