ومن معرفة الكلب، أنّ المكلّب يخرجه إلى الصيد في يوم، الأرض فيه ملبسة من الجليد، ومغشّاة بالثّلج، قد تراكم عليها طبقا على طبق، حتّى طبّقها واستفاض فيها، حتّى ربّما ضربته الريح ببردها، فيعود كلّ طبق منها وكأنّه صفاة ملساء، أو صخرة خلقاء، حتى لا يثبت عليها قدم ولا خفّ، ولا حافر ولا ظلف، إلّا بالتثبيت الشديد، أو بالجهد والتّفريق فيمضي الكلّاب بالكلب، وهو إنسان عاقل، وصيّاد مجرّب، وهو مع ذلك لا يدري أين جحر الأرنب من جميع بسائط الأرض، ولا موضع كناس ظبي، ولا مكو ثعلب، ولا غير ذلك من موالج وحوش الأرض فيتخّرق الكلب بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله ويتشمّم ويتبصّر، فلا يزال كذلك حتّى يقف على أفواه تلك الجحرة، وحتى يثير الذي فيها بتنفيس الذي فيها، وذلك أن أنفاسها وبخار أجوافها وأبدانها، وما يخرج من الحرارة المستكنّة في عمق الأرض ممّا يذيب ما لاقاها من فم الجحر، من الثّلج الجامد، حتى يرقّ ويكاد أن يثقبه وذلك خفيّ غامض، لا يقع عليه قانص ولا راع، ولا قائف ولا فلّاح، وليس يقع عليه إلّا الكلب الصائد الماهر.
وعلى أنّ للكلب في تتبّع الدّرّاج والإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق، من الرّفق وحسن الاهتداء والتأتّي ما يخفى مكانه على البيازرة والكلّابين.
وقد خبّرني صديق لي أنّه حبس كلبا له في بيت وأغلق دونه الباب في الوقت الذي كان طبّاخه يرجع فيه من السوق ومعه اللحم، ثمّ أحدّ سكّينا بسكين، فنبح الكلب وقلق، ورام فتح الباب لتوهمّه أنّ الطّبّاخ قد رجع من السوق بالوظيفة، وهو يحد السّكّين ليقطع اللّحم!!.
قال: فلما كان العشيّ صنعنا به مثل ذلك، لنتعرّف حاله في معرفة الوقت، فلم يتحرّك!!.
قال: وصنعت ذلك بكلب لي آخر فلم يقلق إلّا قلقا يسيرا، فلم يلبث أن رجع الطّباخ فصنع بالسّكّين مثل صنيعي، فقلق حتّى رام فتح الباب!!.
قال فقلت: والله لئن كان عرف الوقت بالرّصد فتحرّك له، فلما لم يشمّ ريح اللحم عرف أنّه ليس بشيء، ثمّ لما سمع صوت السّكّين والوقت بعد لم يذهب، وقد جيء باللحم فشمّ ريح اللّحم من المطبخ وهو في البيت، أو عرف فصل ما بين إحدادي السّكّين وإحداد الطباخ، إنّ هذا أيضا لعجب.
وإنّ اللحم ليكون بيني وبينه الذراعان والثلاث الأذرع، فما أجد ريحه إلّا بعد أن أدنيه من أنفي. وكلّ ذلك عجب.
ولم أجد أهل سكّة أصطفانوس، ودار جارية، وباعة مربّعة بني منقر
يشكّون أنّ كلبا كان يكون في أعلى السكة، وكان لا يجوز محرس الحارس أيام الأسبوع كلّه، حتّى إذا كان يوم الجمعة أقبل قبل صلاة الغداة، من موضعه ذلك إلى باب جارية، فلا يزال هناك مادام على معلاق الجزّار شيء من لحم. وباب جارية تنحر عنده الجزر في جميع أيّام الجمع خاصّة، فكان ذلك لهذا الكلب عادة، ولم يره أحد منهم في ذلك الموضع في سائر الأيّام، حتّى إذا كان غداة الجمعة أقبل! فليس يكون مثل هذا إلّا عن مقداريّة بمقدار ما بين الوقتين.
ولعلّ كثيرا من الناس ينتابون بعض هذه المواضع في يوم الجمعة، إمّا لصلاة، وإمّا لغير ذلك، فلا يعدمهم النّسيان من أنفسهم، والاستذكار بغيرهم. وهذا الكلب لم ينس من نفسه، ولا يستذكر بغيره.
وزعم هؤلاء بأجمعهم أنّهم تفقّدوا شأن هذا الكلب منذ انتبهوا لصنيعه هذا، فلم يجدوه غادر ذلك يوما واحدا. فهذا هذا.